النفس إلا ما يتفق مع طبعها، ويتناسق مع حقيقتها في حدود مقدرة وضوابط مقررة تكفل لهذا الإنسان سعادته وصلاحه: {فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"
فمعرفة الحقيقة النفسية لا تحتاج إلى عناء في الاستدلال والفهم، بل تقوم على بدهيات مسلمة يحسها كل إنسان من نفسه - مؤمنًا أو كافرًا - ولا ينكرها إلا مكابر مغالط.
فكل إنسان مفكر وكل مفكر عامل وكل عامل عابد ولابد.
ثم بين خطأ ذلك الفرض الذهني بوجود إنسان غير عابد وسلط الضوء على حقيقة النفس الإنسانية من جهة الدوافع التي تحركها للعمل والتي لا تخلو منها نفس قط، وكيف أن لهذه الحركة بالضرورة غاية تسعى إليها، وأن الطريق إلى هذه الغاية لا يكون إلا على قنطرة أعمال القلوب من الخوف والرجاء والحب والكره ونحوها مما يجعله في محصلته النهائية والحقيقية"عبادة"مهما كابر بعض بني آدم في ذلك.
وفي فصل الإرادات والغايات بين أن قول الله تعالى: {وأن إلى ربك المنتهى} متضمن لكنْز عظيم وهو أن كل مراد إن لم يُرد لأجل الله ويتصل به فهو مضمحل منقطع، فليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها، فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، وليس دونه غاية إليها المنتهى، وهو سر عظيم من أسرار التوحيد.
ثم يقول: ومن هنا يتبين انحراف أكثر الناس عن الإيمان لانحرافهم عن صحة المعرفة، وصحة الإرادة. ولا يتم الإيمان إلا بتلقي المعرفة من مشكاة النبوة وتجريد الإرادة عن شوائب الهوى وإرادة الخلق، فيكون علمه مقتبسًا من مشكاة الوحي وإرادته لله والدار الآخرة.
إن صحة الإرادة - حسب المنهج السلفي - هي النقطة التي لا يمكن تجاوزها في السير على طريق الإيمان، بل هي مما يجب استصحابه حتى موافاة اليقين، وبهذا يتم جمع شتات أعمال القلوب والجوارح لتتجه كلها نحو الغاية التي ليس وراءها غاية.