وإن من أعظم الأدلة على صحة المنهج السلفي وحده أنك تراه كالنسيج المحكم والحلقة المتماسكة، فكل عنصر من عناصره وقضية من قضاياه تؤدي إلى هذه الحقائق البدهية الواضحة وترتبط بها بأقوى الروابط.
ثم ضرب مثالين يوضحان ذلك، الأول: في التزكية والمراقبة من جهة اندراج كل عمل الجوارح والحياة في نطاق العبودية الشامل، فلله على عبده في كل عضو من أعضائه أمر وله عليه نهي وله فيه نعمة وله به منفعة ولذة، فإن قام لله في ذلك العضو بأمره واجتنب فيه نهيه فقد أدى شكر نعمته عليه فيه وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به، وإن لم يقم بذلك عطله الله من الانتفاع بذلك العضو وجعله من أسباب ألمه ومضرته. وأيضًا فإن عليه في كل وقت من أوقاته عبودية تقدمه إليه وتقربه منه فإن شغل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه، وإن شغله بهوى أو راحة أو بطالة تأخر. فالعبد لا يزال في تقدم أو تأخر ولا وقوف في الطريق البتة، قال تعالى: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} .
فإذا عرف العبد أن الحياة ما هي إلا أنفاس تتلاحق ودقائق تتسابق، وعلم مع هذا أنه مخلوق لحكمة واضحة وغاية محددة هي عبادة ربه سبحانه وحده لا شريك له، فلابد أن يحرص أشد الحرص على حفظ الوقت وإشغاله بالعبودية وإعمال البدن في الطاعة، وإلا اعتراه النقص في إيمانه بقدر ما يعتريه من النقص في ذلك.
قال: وهذا ليس نقصًا فحسب، بل هو تأخر وانقطاع، لأنه إن لم يكن في تقدم فهو في تأخر ولابد، فالعبد سائر لا واقف، فما هي إلا مراحل تطوى أسرع طيّ إلى الجنة أو إلى النار، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
المثال الثاني: في المعرفة والإرادة من جهة صفاء التوحيد وشفافيته المستوجب تنبه العبد وحذره الدائم، وما أكثر من هلك في أودية الغفلة والاغترار.
أشار المؤلف في هذا المعنى إلى حال الصحابة رضي الله عنهم وكيف أنهم - مع كمال تحقيقهم للتوحيد - كانوا يخشون أن يفسدهم عليه أدنى عارض ويحترزون من ذلك غاية الاحتراز، سواء أكانت الشائبة من جهة المعرفة والانقياد أو من جهة الإرادة والقصد.
إن من أركان الانهيار الذي تردت فيه الأمة الإسلامية فساد الإرادة والمقصد المستوجب فساد المعرفة والسلوك.