وقال: دع من فسدت معرفته وسلوكه بالابتداع والتلقي عن غير منبع الوحي كسائر فِرق الضلال. ولكن انظر إلى الأجيال المتأخرة التي ورثت عن الصحابة وصح تلقيها منه، غير أن هذا الداء قد اعتراها ففسدت المعرفة نفسها تبعًا لفساد الإرادة والمقصد، فخرجت من التمسك بالسنة إلى البدعة، ومن إرشاد السائرين إلى قطع الطريق عليهم.
وأضاف: وفي عصرنا نماذج حية من هؤلاء، ترى الواحد منهم في الأصل وارثًا لعلم السلف، معتقدًا لعقيدتهم نظريًا، لكن انصراف همته وإرادته للدنيا أخرجه _ في واقع حياته - إلى ضلال في التصورات وانحراف في السلوك شعر أو لم يشعر، فبينا هو يعجب من حال أهل العقائد البدعية إذا الشيطان ينسج حوله شباك بدعٍ من جنس آخر، فأصبح فتنة لأهل البدع ومنديلًا لذوي السلطان ومرقاة لأصحاب الأهواء والشهوات. وهذه عقبة كبرى وباب خطر قلّ من يجتازه وينجو من بلائه، وإنما يبدأ الشيطان من باب التوسع في المباحات والترفع عن المساكين وإن كانوا من المتقين ثم يفضي به إلى الانغماس في الشهوات، ومجاراة الكبراء في دنياهم، ثم يجوز به من باب التبرير لما هو فيه إلى الإفتاء بصحته ومشروعيته ومعاداة مخالفه، وعندئذ يتكدر عليه صفاء معرفته، وينقلب عليه سلاح علمه فلا يزال يقول على الله بغير علم ويكتم ظاهر الحجج، ويتعلل بفنون التأويلات حتى ينسلخ من نور العلم، ويصبح مثَله - كالمثل الذي ضربه الله في سورة الأعراف _ كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث!!
فكل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلابد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، فإذا كان العالم والحاكم محبيْن للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق.
وبهذا نرى أن المؤلف قد سد على المرجئة كل أبواب التحكم والروغان بجملة محكمة من الإلزامات، لا يملك المنصف حيالها إلا أن ينادي المرجئة: سلّموا أو اخرجوا من ساحة المناظرة المستقيمة والهوا هناك مع اللاهين بعيدًا عن ضوابط الشرع ومقتضى الإنصاف والعقل.
وفي النهاية انهال المؤلف على المرجئة بجملة من الأسئلة الخانقة منها: كيف يمتلئ القلب بالحب وتعمل الجوارح أعمالًا كلها عداء وانتقام؟!
وكيف يمتلئ القلب بالرحمة وتعمل الجوارح أعمالًا كلها غلظ وفظاظة؟!
وكيف يمتلئ القلب بالتصديق وتعمل الجوارح أعمالًا كلها تكذيب وإعراض؟!