وكيف يمتلىء القلب بالتقوى وتعمل الجوارح أعمالًا كلها فجور وآثام؟!
وقال المؤلف: ولما لم أجد لهذا ذكرًا عندهم خرجت بنتيجة وضعتها أول الأمر على أنها افتراض، ثم صدقها البحث التاريخي المستقصي، وهي أن عقيدة المرجئة لم تكن على الإطلاق ثمرة نظر في النصوص الشرعية ولا وليدة اجتهاد عقلي سويّ، وإنما هي وليدة مواقف انفعالية جدلية أفرزتها المعارك الكلامية الطاحنة بين الفرق البدعية، تلك الفِرق التي كان جهلها بالشرع وإعراضها عنه سببًا في تعلقها لدفع خصومها بأوهام ذاتية أو تصورات غريبة منقولة عن مصادر وثنية، ولهذا جاءت أصولها الاعتقادية - لا سيما المرجئة - مجافية تمامًا للدين والفطرة والعقل والحقيقة الإنسانية.
وفي بيان حقيقة الإيمان الشرعية أوضح أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفهمون الإيمان فهمًا مجردًا كما هو الحال في المنهج المنطقي المتكلف كما يفهمه كثير ممن يُدَرسون العقيدة في أكثر العالم الإسلامي اليوم وفي القرون الأخيرة الماضية، بل كانوا يفهمونه على ضوء معايشتهم للوحي وصاحبه صلى الله عليه وسلم مع ما آتاهم الله من سلامة الفطرة وصحة الفهم وحضور البديهة، مما جعلهم أصدق الناس نظرًا وأقلهم تكلفًا وأحسنهم هديًا.
وعندما اتسع الخلاف بين الفِرق في تعريف الإيمان اتفقت كلمة الجماعة وهم علماء الأمة الأفذاذ في كل مكان أضاءه نور الإسلام على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
ثم نقل المؤلف عن الإمام الحجة أمير المؤمنين في الحديث البخاري رحمه الله قوله: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم؛ أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر .. ثم سمّى الكثير منهم وقال: فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل.
ثم نقل عن أئمة المسلمين اتفاقهم على أن المرجئة مبتدعة.
ثم ختم الباب بمبحث عن بيان المقصود من بعض عبارات السلف في تعريف الإيمان، وأن قولهم: الإيمان قول وعمل، معناه عندهم أنه التزام وتنفيذ وإقرار واعتقاد وطاعة بالقلب واللسان والجوارح.
وفي الباب الأخير:"الإيمان حقيقة مركبة وترك جنس العمل كفر"بين المؤلف أن قول المرجئة:"من ورد فيه النص - أي بالتكفير - علمنا انتفاء الإيمان عنه بالنص لا بالنظر والفهم، وما سوى ذلك لا نجزم بكفره، وإن أقمنا عليه أحكامه الظاهرة"، بيّن أنه خطأ