عظيم، وأنه كان سببًا لما أحدثه المرجئة المعاصرون من أصول أكثر ضلالًا وخطًا في بعض الوجوه من متقدميهم، ولا سيما في مسألة التكفير التي ضل فيها أكثر الدعاة بين طرفي الإفراط والتفريط، وكان خوارج عصرنا رد فعل لمرجئتهم، فقد تولد التكفير الغالي في أحضان المرجئة الغالية، عكس ما حصل في القرن الأول من تولد الإرجاء في أحضان الخروج.
ولو أن علاقة الظاهر بالباطن وحقيقة كل منهما بالآخر كانت واضحة لدى هؤلاء؛ لسلموا من هذا التخبط الشديد.
فكما أن المرجئة القدامى تصوروا وجود الإيمان في قلب من عاش دهره كله لم يسجد لله سجدة، ولا صام له يوما، ولا أدى من زكاة ماله درهما، ولا عقد النية على حج بيته، بل ربما كان معلنا بسب الله ورسوله مهينا للمصحف عمدا، حتى لو قتلناه على شيء من ذلك قالوا: إن كان مقرًا في نفسه فإنه يموت مسلما عاصيا، وإذا امتنع عن التوبة يقتل حدًا لا كفرًا!!
وكما تصوروا ذلك، جاء المرجئة المعاصرون فقالوا: إن من كان لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يقيم من شريعة الله إلا جزءًا قد يقل أو يكثر، لا يقيمه لأنه من أمر الله وامتثالًا له وإيمانًا بدينه، بل لأنه موافق للهوى والمصلحة الذاتية، ومقر ممن يملك الإقرار والتشريع سواء كان شخص الزعيم أو الحزب أو المجلس التشريعي؛ فإنه لا يكفر إلا إذا علمنا أنه في قلبه يفضل شرائع البشر على شريعة أحكم الحاكمين، وما لم نطلع على ذلك فكل أعماله هي على سبيل المعصية، حتى وهو يصدر القوانين تلو القوانين ويترصد للمطالبين بتطبيق الشريعة ويلاحقهم بصنوف الأذى، ويظهر الموالاة الصريحة للكفار، ويلغي ما شرعه الله من الفروق الجلية بين المؤمنين والكفار من الرعية، ويرخص بإقامة أحزاب لا دينيه _ كل ذلك معاصي لا تخرجه من الإسلام ما لم نطلع على ما في قلبه فنعلم أنه يفضل شرعا وحكما غير شرع الله وحكمه على شرع الله وحكمه، أو يصرح بلسانه أنه يقصد الكفر ويعتقده، وأنه مستحل للحكم بغير ما أنزل الله!!
فمرجئة عصرنا أكثر غلوا من جهة أنهم لم يحكموا له بشيء من أحكام الكفر لا ظاهرا ولا باطنا، وأولئك لم يخالفوا في إجراء الأحكام الظاهرة عليه، لكن جوزوا إيمانه باطنا فقالوا: لو قتلناه لأنه سبّ الله ورسوله فهذا السب دليل على كفره، وهو يوجب علينا تكفيره وقتله في أحكام الدنيا، لكن إذا كان في قلبه مقرا بصدق الرسول فهو مؤمن ناج عند الله، أما هؤلاء فيحكمون بإيمان من ذكرنا مثاله ظاهرا وباطنا ولا يرونه مستوجبا لحد فضلا عن تكفيره، بل يصرحون له بالموالاة والتأييد!!