فالاعتقاد واضح، والقول كمن يقول إن الزنا أو الربا أو شرب الخمر حلال، ومن ذلك قصة قدامة بن مظعون ومن معه في شرب الخمر، والعمل كقصة الرجل الذي تزوج امرأة أبيه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وتخميس ماله، ولم يأمر بسؤاله أأنت مستحل أو مقر؟.
سادسا: أن حصر الكفر في الاستحلال يقتضي أن لا يكفر أحد يقول أنا غير مستحل وأنا أعتقد أن هذا حرام، مهما عمل من المكفرات حتى من سبّ الله ورسوله وأهان المصحف ونجّس المسجد ونصر الكفار على المؤمنين وشرع الكفر بكل أنواعه، مادام لم يصرح بالاستحلال أو صرح باعتقاد أن ذلك حرام في الشرع.
بل على هذا لا يكاد يكفر من الناس إلا القليل فإن أبا طالب مات على دينه وهو معتقد أنه باطل وأن دين محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، وهرقل أقام على دينه مع اعتقاده أن ذلك حرام عليه ولكن شهوة الملك غلبت داعي الحق، وكذلك أحبار أهل الكتاب الذين اعتقدوا بقلوبهم وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم ولكن لم يتبعوه بل كثير من كفار قريش لم يكونوا يعتقدون صحة عبادة الأصنام وأنها خير من التوحيد وأن الله لم يحرم عبادتها .
وهكذا فأكثر كفر الخلق هو من جهة الإباء والاستكبار وترك الانقياد والإتباع لا من جهة اعتقاد أن الكفر حلال، فإن أكثر المتدينين في العالم يرتكبون المحرمات في دينهم ولا يقولون نعتقد أنها حلال فكيف إذا ارتكبوا الكفر؟ ولا سيما أهل الإسلام الذين يعلمون أن الخروج من الإسلام أكبر الذنوب بإطلاق فيندر أن تجد مسلما لا يعتقد أن الكفر حرام وأن عاقبته النار.
ولنضرب لذلك مثالا لكفر العمل وآخر لكفر القول:
أ-مثال كفر العمل: السحر:
فإن الله تعالى قد بين حال أهله فقال: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} .
فإن الله تعالى حكم عليهم بالكفر وبين أن كفرهم هو تعليم السحر وبين أنهم يعلمون أن ذلك كفر ويقولون للمتعلم إنما نحن فتنة فلا تكفر ويعتقدون أن عاقبة عملهم هذا هي الخسارة الكبرى في الآخرة فلم يجعل علمهم بأنه كفر وتحذيرهم المتعلم منه واعتقادهم سوء العاقبة مانعًا من تكفيرهم.