(1) إلوهية"الحاكم"
حيث أسبغ الدروز - كما قرره زعيمهم حمزة بن علي ومن اشترك معه في تثبيت هذه الجريمة - على شخصية"الحاكم"أوصافًا لا تكون إلا لله عز وجل، مدَّعين أن"الحاكم"له حقيقة لاهوتية وظهر بناسوته ليقيم الحجة على عباده، وأن أفعاله المتناقضة له فيها حكمة.
مع أن الدروز كغيرهم من فرق الضلال، أحيانًا يتظاهرون أمام خصومهم بالموافقة لهم ويتواصون بكتمان تأليه"الحاكم"عندما لا يقدرون على إظهار ذلك - كما تقدم - وللداخل في هذا المذهب عهد لا بد أن يقوله ويردده.
وفيه التصريح ببيع الشخص الداخل نفسه للـ"حاكم"، وأن يخلص في عبادته وأن يتبرأ من جميع الأديان غير هذا الدين - الدرزي - وأول العهد يقول: (آمنت بالله ربي"الحاكم"العلي الأعلى، رب المشرقين ورب المغربين [56] ... إلخ) .
ولهم تأويلات للقرآن تدل على مدى حقدهم على الإسلام ونبيه، وتدل كذلك على ضحالة وتفاهة عقولهم وأفهامهم مما لا نرى التطويل بذكره.
ورسائل حمزة كثيرة يثبت فيها إلوهية"الحاكم"، أخذ جميع صفات الله عز وجل وأحكامه وما يليق به وما لا يليق به؛ وجعلها للحاكم، وادعى أن الشرك معناه عدم توحيد"الحاكم".
جاء في"رسالة السيرة المستقيمة"- وهي من الكتب المقدسة عند الدروز - قوله: (والآن فقد دارت الأدوار وبطل ما كان في جميع الأمصار، ولم يبق من نار الشريعة الشركية غير لهيبها والشرار، وسوف يخمد حرها ويضمحل العوار، فقد بدأت ظهور نقطة البيكار - أي ظهور حمزة بن علي - بتوحيد مولانا البار الملك الجبار العزيز الغفار المعز القهار،"الحاكم"الأحد الفرد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد، فلمولانا الحمد والشكر على ظهور نور الأنوار وخروج ما كان مدفونًا تحت الجدار؛ فقد أنعم علينا وعليكم بمباشرته في البشرية، وظهوره لكم في الصورة المرئية كيما تدركون بعض ناسوته الإنسية) [57] .
وقد علل حمزة لسبب تسمية"الحاكم"بالإمام أو الخليفة بقوله: (ولو كان في العالمين شيء أفضل من الإمامة لكان المولى جل ذكره في ظاهر الأمر تسمى به، فلما لم يظهر في الناسوت إلا باسم الإمامة؛ علمنا أنه أجل أسماء المولى جلت قدرته) [58] .
ومن عقائد الدروز؛ أن"الحاكم"يتشكل في كل عصر ودور بصور أناس من أجل مصلحة الناس ومراعاة لحالهم، وليس المشاهير في تلك العصور أناس غير"الحاكم"، بل هم"الحاكم"تصور بصور واتخذ له تلك الأسماء الإنسية، ليتعرف خلقه إليه، تفضلًا ورحمة منه على عباده [59] .
ولقد ذكر الدكتور محمد كامل حسين كثيرًا من أقوالهم في إثباتهم إلوهية"الحاكم"من كتبهم - مطبوعة ومخطوطة - رغم تحرزهم على إخفائها عن أعين الناس.
ومن تلك النصوص:
جاء في"رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد": (ومولانا سبحانه معل علة العلل جل ذكره وعز اسمه ولا معبود سواه، ليس له شبه في الجسمانيين، ولا ضد في الجرمانيين، ولا كفء في الروحانيين، ولا نظير في النفسانيين، ولا مقام له في النورانيين) [60] .
وفي"رسالة سبب الأسباب"لحمزة الزوزني: (فقولي: توكلت على مولانا جل ذكره؛ أردت به لاهوت مولانا الذي لا يدرك بوهم ولا يدخل في الخواطر والفهم، ما من العالمين أحد إلا هو معهم وهم لا يبصرون، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو جل ذكره أعظم من أن يوصف أو يدرك، ومن اتكل عليه فهو يكفيه جميع مهماته) [61] .
ونصوص أخرى كثيرة كلها تدور حول وصف"الحاكم"بكل صفات الله تعالى، لأنهم يعتبرونه"رب العالمين"؛ تصور في صورة"الحاكم"في دوره الجديد، تأنيسًا لخلقه، حيث ظهر في الصورة البشرية ليجدد الناس العهد به، ولولا ذلك لكان الناس يعبدون العدم - كما يرى هؤلاء الكفرة -
وفي"رسالة الغيبة": (أظهر لنا ناسوت صورته تأنيسًا للصور، فحار فيها الفكر حين فكر، وعجزت العقول عن إدراك أفعالها واعترفت بالعجز والتقصير في معلومها فبتقدير أحكامه منّ على خلقه بوجود صورته من جنس صورهم) [62] .
ولا يقصر الدروز الإلوهية على"الحاكم"فقط، بل أطلقوها على كثير من آبائه ومن كبار رؤسائهم، على مقتضى اعتقادهم أن الله يظهر للناس بين فترة وأخرى في صور بشرية، ولا ضرورة لذكر أولئك الأشخاص الذين يعتبرونهم ظهورًا إلهيًا في أوقات وجودهم، وليس أمامنا تجاه هذه الآراء الإلحادية والتي تفتقر أيضًا إلى العقل إلا أن نقول: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [63] .
[56] انظر؛ لذلك: العهد بطوله: ص228 - 230 من كتاب الحركات الباطنية في العالم الإسلامي.
[57] طائفة الدروز: ص105.
[58] رسالة الصبحة لحمزة، عن عقيدة الدروز: ص133.
[59] رسالة من دون قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن لحمزة بن علي، عقيدة الدروز: ص133.
[60] طائفة الدروز: ص102.
[61] طائفة الدروز: ص102.
[62] المصدر السابق: ص103.
[63] آل عمران: 8.