ومن العجب أن ينصرف بعض الناس إلى تعيين هذه الفرق، وتحديد الفرقة الناجية منها، وكأن الحديث الشريف يطالبهم بمثل هذا الحصر والتبيين!
في الوقت الذي جاء فيه الحديث الشريف محذرًا من الافتراق في الدين ومؤكدًا على أهمية الاقتداء بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.
وهناك ملاحظة مفيدة حول اضطراب كتابات العلماء في حصر الطوائف الأخرى بما ينسجم مع العدد الوارد ذكره في الحديث الشريف.
فقد وقف العلماء الأقدمين من حديث الفرق الذي سبق ذكره ثلاثة مواقف:
أ- عدم التعرض له بنفي ولا إثبات، ومن أصحاب هذا الموقف الإمام أبو الحسن الأشعري، وفخر الدين الرازي، فقد ألف كل منهما في العقائد دون تعرض لهذا الحديث.
ب- عدم الأخذ به وتضعيفه، ومن أصحاب هذا الموقف الإمام ابن حزم، فقد عرض لهذا الحديث في كتابه (الفصل بين الملل والنحل) وحكم بضعفه.
ج- التعرض للحديث الشريف، والأخذ به، ومن أصحاب هذا الموقف الإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) ، والإمام الاسفرائيني، صاحب كتاب (التبصير في الدين) وغيرهما.
وقد حاول هؤلاء حصر الفرق التي نجمت تحت ظلال الإسلام في ثلاثة وسبعين فرقة، إحداها ناجية، وهي أهل السنة والجماعة.
يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد -رحمه الله- في مقدمته لكتاب (الفرق بين الفرق) بعد الإشارة إلى هذه المواقف الثلاثة: (والحق أن أصول الفرق لا يصل إلى هذا العدد، بل إنه لا يبلغ نصفه ولا ربعه، وأن فروع الفرق يختلف العلماء في تفريعها، وأنت في حيرة حين تأخذ بالعد، ثم يقول: وفي الحق أنه - على فرض صحة الحديث- لا ينحصر الافتراق كما كان في العصور الأولى، ومن قبل أن يدون هؤلاء العلماء الأعلام مصنفاتهم، بل لا يزال الأمر يسير على المنهج الذي سار عليه أول الأمر.