الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (التوبة: 38) .
سبحان الله: الله تعالى يستنفرهم، وهم لا ينفرون؟! إذن فهؤلاء ليسوا بأصحاب محمد ولا هم بتربيته صلى الله عليه وآله وسلم! ولا يكونون من التابعين لهم بإحسان ولا من الذين جاؤوا من بعدهم واستقاموا على نهجهم.
فما كان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحتملون القعود إذا ما دعى داعي النفير. هذا يقوم عن بِكْره في ليلة عرسه، وذاك ينفض يدَه عن تجارته وعمله، وهذا يلعق أصابعه ويقوم عن طعامه، وهذا يثور من لحافه إلى سلاحه، وهذا يقطع حديثه مع جُلاَّسه، ولسان حال أحدهم يقول: من يعذرني بعد عتاب ربي؟ فقد قضى اللهُ وحكم وقطع كلَّ عذر وجزَم، وليس ثمة إلا ما قال الله: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} .
يقول راشد الحبراني: وافيتُ المقدادَ فارس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحمص على تابوت من توابيت الصيارفة، قد أفضل عليها من عظمه، يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك. فقال: أبت علينا سورة البُحُوثِ {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [1] .
ويقول ابن عمر رضي الله عنهما: رأيت عمارًا يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أمِنَ الجنة تفرون؟! أنا عمار بن ياسر هلموا إليَّ! وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تذبذب، وهو يقاتل أشد القتال [2] .
(1) أخرجه ابن سعد 3/ 1 / 115، وأبو نعيم في"الحلية"1/ 176، والحاكم 3/ 349، وصححه، وابن جرير 10/ 139. وانظر سير أعلام النبلاء 1/ 388.
(2) أخرجه ابن سعد 3/ 1/182. وانظر سير أعلام النبلاء 1/ 422.