والجهاد؛ لا للصغار الأغرار الذين لا خبرة لهم في المنهج والجهاد وأهله، وأن ذممهم لا تبرأ باتِّباع هؤلاء الذين لم يأذن الله باتِّباعهم، فالله يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وهم أهل العلم في كل باب، وأهل العلم هم من يزكي بعضهم بعضًا، وليس ذلك موكولًا إلى العامي ليعيِّن هو العالم ثم يتِّبعه، فما حاجته للاتباع لو كان قادرًا على تمييز العالم من غيره؟! بل هذا اتباع للهوى لا تبرأ به الذمة ولا يمتنع به الإثم.
قال ابن عطية: (وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالمًا) .
وليس كل مشتغل بالعلم يعلم تفاصيل المنهج الجهادي الشرعي وسنن التمكين؛ وخصوصًا في تقرير مسائل الإمامة ومسائل التكفير واستحلال الفروج والدماء؛ فهذه مسائل خطيرة يصدق فيها قول القائل:
لا يعرفُ الشوقَ إلاَّ مَن يكابدُه * * ولا الصبابَةَ إلاّ من يُعانِيها
قال المرداوي:
وأمرك بالمعروف والنهيُ يا فتى * * عن المنكر اجعلْ فرضَ عين تُسَدَّدِ
على عالم بالحظر والفعل لم يقم * * سواه مع أمن عدوان معتدِ
وبالعلماء يَخْتَصُّ ما اختصَّ علمُه * * بهم وبمن يستنصرون به قدِ
يعني أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على الصحيح، على كلِّ عالم، لم يقم به سواه، ولا يسقط إلا بخشيته العدوان على نفسه من جرَّائه، وأن ما كان من المعروف والمنكر علمُه مختصًّا بالعلماء؛ اختصَّ الأمر به والنهي عنه بهم، وقد يتعدَّاهم إلى من يستنصره هؤلاء العلماء ولو كان عاميًّا، فيأمرون وينهون مقلِّدين.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} .
قال العلامة السعدي؛ رحمه الله: (أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله، فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ