الصفحة 36 من 88

يصفهم بأنهم من المجاهدين ذوي المعتقد السليم والفعل السديد؛ فهذا والله من أعظم الخذلان؛ فهل المنهج السليم هو تكفير الطواغيت ثم ليفعل صاحبه ما شاء من الموبقات وليجمع ما أراد من البدع والضلالات وليستبح ما يشتهي من الحرمات؟ وإذا كان غره منهم صوم وصلاة؛ فهل ينكر هذا الذي يصفهم بهذه الأوصاف أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتل الخوارج مع أنهم يصلون ويصومون ويتعبدون حتى إنه ليَحقر الصحابةُ عملَهم إلى أعمالهم؟ بل أمر باستئصال شأفتهم كاستئصال الله تعالى لقوم عادٍ؛ فلا تمنع كثرة العبادة من إنزال الأحكام المستحقة إذا وجدت أسبابها إلا من ينظر بورع بارد، وإلى الله المشتكى وعليه التكلان.

وإني -علم الله- لا أعتمد في وصف أحوالهم إلا على الظلم الذي فعلوه باعترافهم، والجرم الذي شهد عليه جميع الناس وموافقوهم، وما شاهدته بعيني، أو نقله لي الثقات الأثبات الذين تتوافر فيهم شروط الشهادة الشرعية، وكذلك فإني لا أتكلم على أفعالهم مع (جبهة النصرة) فحسب؛ لكن مع باقي الفصائل المجاهدة أيضًا؛ فقد نالهم ما نالهم -مثلنا- من التكفير واستحلال الدماء والأموال.

إن ما تفعله جماعة الدولة في الشام؛ قد عاد عليها -أعني الشام كلَّها- بشؤم يوشك أن يعم ضرره المسلمين كافة إلا أن يرحمنا الله بفضله وكرمه، فضلًا عن عود ضرر أفعالهم على الحركة الجهادية خاصة بما سيرجعها عقودًا للوراء؛ فإنا قد رأينا آثار إجرام الجماعة المسلحة بقيادة عبد الرحمن أمين وزوابري وغيرهما؛ على الجهاد في الجزائر وغيرها من بلدان المسلمين، حيث صنع غلوهم هوة ساحقة بين المسلمين عامة وطليعتهم المجاهدة التي ما خرجت إلا دفاعًا عنهم، لكن فعل الغلاة قد أنسى الناس محاسن أهل الجهاد وذكرهم بالمساوئ التي رسمها أولئك الغلاة في الأذهان؛ برغم براءة المجاهدين من هؤلاء الغلاة حينها، واليوم نجد في الشام؛ الأمةَ تباد، والأعراضَ تنتهك، والمجاهدين في دفع هذا الصائل الكافر منشغلين، ثم يأتي أقوام يكفرون من دافعوا عن هذه الأمة المكلومة ويقاتلونهم حتى أشغلوهم عن عدوهم وشتتوا جهودهم وخذَّلوا المسلمين عن نصرتهم؛ بينما تجد العلماء والمشايخ -إلا من رحم الله- ما زالوا يتكلمون عن الوحدة ولم الشمل، مع إباء هؤلاء لكل محاولات الإصلاح الجادة التي تحقن الدماء حقًّا وتحفظ الحقوق.

ومن الناس من لا يرى أحدًا على الحق إلا غلاة جماعة الدولة، أو المجاهدين في (جبهة النصرة) ، وهذا من تضييق الواسع، وقد ذم الله تعالى هذا الأمر فقال: {وَيْلٌ للْمُطَفِّفِينَ} ؛ فمن جعل المنهج الحق محصورًا في جماعة أو جماعتين فإنه مطفف غير مقسط، ومن قرأ ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت