كتبه الأسير الشيخ أبو قتادة الفلسطيني فك الله أسره في (المقاربة لنازلة العصر) فسيقف ولا بد على عظم الخلل في هذه التصنيفات غير المنضبطة بشرع أو المطابقة للواقع.
وكل من يقرأ التاريخ ويشهد الواقع فسيقف على حقيقة مفادها: أن كل ساحة تقرب ثمارها للنضج يأتيها من لا يتقي الله ولا يصدر عن علم وسنة وفقه أو قصد خير؛ فيحرق الأخضر واليابس ويقلب عاليها سافلها، ولا يبالي بالناس ولا بأوضاعهم؛ فلا يكون له هم إلا أن يلبي شهوته ورغبته بالملك أو بالانتقام من هذه الأمة المسلمة.
لقد صارت ساحات الجهاد ضحية لمغامرات الجهال، ولإفساد الغلاة وسحرتهم؛ فإن لكل ملك سحرة يسوغون له. ولقد بان لنا يقينًا أن سبب بقاء الطغاة ونفاذ مكر الأعداء هم الغلاة، وهم وجهان لعملة واحدة؛ فالطغاة بلبوس الوطنية والغلاة بلبوسٍ شرعية، والشعوب المستضعفة ضحية للجلادين.
وهذا سببه غفلة علماء الأمة عن ساحات الجهاد، وعن واجبهم في سد الثغور وإرسال طلاب العلم المؤهلين الناضجين لسد الحاجات الشرعية من إفتاء وتعليم وقضاء وتربية للتائبين، فساد الجهال ومن كانوا بالأمس من الأطفال، فظهرت الانحرافات، وبدأت تزيد بالظروف الصعبة التي مر بها المجاهدون، وكان في الجهود المبذولة لإصلاح الأحوال ضعف شديد لقلة الكوادر الشرعية التي يمكن الاعتماد عليها للإصلاح، وبطء الإصلاح عن بعد وبالتوجيهات وعدم فعاليته، مع الظروف السياسية والعسكرية الصعبة التي كانت تمر بها بعض الساحات، ولبعض التقديرات التي كان يراها قادة الجهاد في ذلك الوقت، ولكن هذا أمر قد وقع، وينبغي أن نفكر في كيفية علاج هذا الواقع المرير للساحة الشامية على وجه الخصوص، فالشرع والمصلحة والعقل كلها تقتضي الكلام عن هذا الانحراف ووضوح الموقف الشرعي من الغلو وأهله بعد أن تعاظم غلوهم وزاد وبلغ درجات منكرة لم يبلغها شذاذ الحركة الجهادية من قبل قط، والسكوت عن هذا البلاء والورع في غير محله محاباة ومداهنة؛ فإن هذا التورع إنما يستفيد منه جماعة كان الأولى بمن تورع عنها أن يبين عوارها ويكشف غلوها؛ لا أن يضحي بأمة مسلمة طال ليلها، وكبرت جراحاتها في دينها، والورع الواجب هو الورع عن المساهمة في سفك الدماء وضياع الجهاد وانكسار ثورة الأمة بالسكوت عن أفعال هؤلاء المجرمين، وهذا الداء العضال إن لم يتداركه العلماء ويقفوا في وجهه موقفا قويًّا فسينتشر في كثير من الساحات بل قد انتشر؛ لأن الأمر إذا صار في مكان ثم لم يُنكر فإنه يكون بمثابة تشريع للجماعات؛ فتعبد الله به بقصد أو بغيره، وهي تسير في ذلك إلى النار إلا أن يرحمَ اللهُ، وتُلحِق بهذه الأفعال الدمار بالأمة عامة وبالحركة الجهادية خاصة.