الصفحة 38 من 88

فالوضع الآن بساحة الشام واضح لا لبس فيه، وخطير لا مجال للحيدة فيه، ولا مجال لإمساك العصا من المنتصف، وعجبي من طلبة العلم والمشايخ الذين لم يتعظوا بما حصل في الجزائر، وما كان في الساحات السابقة من انتكاسات؛ فتراهم يتعاطفون مع زيد وعمرو تعاطفًا غير منضبط بالشرع وبالوحي، ومبنيًّا على أمور لا يبنى عليها موقف شرعي كماضٍ مشرِّف أو مقاصد حسنة عند بعض هؤلاء، ووالله يا طلبة العلم لتُسألُنَّ أمام الله جميعًا، وسيستبدل الله بكم غيركم، ويأتي بأقوام لا يكونون أمثالكم.

وحتى يومنا هذا تجد الصادعين بالحق من المشايخ وطلبة العلم لا يَصِلُون عدَّ أصابع اليد الواحدة، وأقصد بذلك المشايخ الذين لهم اعتبار في ساحات الجهاد؛ فهل خشي الصامتون أن يسقطوا عند بعض الناس -وبخاصة الغلاة وأنصارهم- فيترك الاستماع لهم فلان وعلان، ووالله إن كان هذا من مقاصد علمائنا فعلا -وحاشاهم من ذلك- فعلى الأمة السلام، والله المستعان.

ولعلنا بينَّا موقفنا الشرعي من جرائم تلك الجماعة التي تكفر بالظنون والأهواء، والتأويلات الفاسدة، واللوازم المتكلفة، وبأشياء هي من المشروعات، واستباحت ما استباحه التتار وأعوانهم وفعلت ما يفعله الظلمة في كل زمان ومكان، وصار ما يفعلونه (إفسادًا لا جهادًا) ، ومما تسبب في كثرة هذه الانحرافات وضخامتها: سكوت القيادات وطلبة العلم والمشايخ المعتبرين عنها منذ كانت صغيرة، وعلم الله أنَّا تأولنا لهم كثيرًا في سكوتهم وما زلنا كذلك، واعتذرنا لهم في بدايات الأمر في الشام بأنهم ربما لم تصلهم تلك الأخبار، أو وصلتهم مغلوطة على غير وجهها؛ ولكن الصراخ الذي أطلقه أهل الشام والمجاهدون فيها قد سمعه القاصي والداني، وقد قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} .

قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره: (أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضًا، فيشترك بذلك المباشر، وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجبًا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة:

منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت، فإنه كما يجب اجتناب المعصية؛ فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت