يمر شريط من الخواطر .. فأرى الأخَ أمام عينيَّ مستوفزًا في النائبات، مقدِّمًا كلَّ ما أمكنه من تضحيات، صابرًا في وقت الشدة، وحاضرًا في وقت الكرب، مناصرًا لإخوانه، ذابًا عن أعراضهم في غيبتهم، مدافعًا عن أمته، والكل مغتبط برجال كهؤلاء؛ يذودن عن حياض الأمة وعن كرامتها وعزها.
ولما حان قدر الله السابق، ووقع أمره النافذ واستشهد أو أصيب أخونا .. فتنظر في حال أهله وذويه؛ فلا تجد أحدًا من صحبه وأبناء جماعته يتعاهد شؤونهم ولا مِن مواسٍ لهم أو مخفف عنهم ما حل بهم، حتى أصبح أهالي الشهداء والجرحى نسيًا منسيًا!!
بل ربما كان إخوانه المجاهدون يزورونه في أيام جهاده كلَّ يوم ويتفقدونه وأهلَه، ولكن وبعد إصابته تصاب كلُّ هذه العلائقِ بالعوائق، وبعد مقتله تُقتَل تلك المودة والوصال!!
فلله ما أندر الأوفياء!
وما أطيب معدنهم!
يا أوفياء وما أحلى الوفاءِ على * * تقلُّبِ الدهر من معطٍ ومستلبِ
أفديكمُ عصبةً لله قد خلصَتْ فما * * تَغَيَّرُ في خصب ولا جدب
وما أكثر الذين يظن المرء أنهم عدتُه للدهر، فإذا هم عون للشدائد عليه!
وقد أصاب ابن صمادح حين أنشد:
وزهَّدني في الناس معرفتي بهم * * وطُولُ اختباري صاحبًا بعد صاحبِ
فلم تُرِني الأيامُ خِلًّا يسرُّني * * بادِيه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لكشف مصيبة * * من الدهر إلا كان إحدى المصائب
وهذا الذي حَدَا بابن المرزبان المحولي لما رأى زمانَه خلا من هذا المحب الذي يحفظه في غيبته، ويكون وفيًّا لصحبته؛ هداه أن ألف كتابًا وسماه (تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) !!
وقد رأيت في ساحات الجهاد على طول عقد من الزمن تقصيرًا عظيمًا وجفوةً كبيرة، فرأيت أن أُذَكِّرَ بهذا الأمر المهم الذي هو من واجبات الجماعة -على الأقل- تجاه ابنِها الشهيد أو المصاب، ومن واجب الأمة الإسلامية تجاه عوائل هؤلاء الأبرار، فلزامًا عليهم الوفاء بحقهم