وبحق تضحياتهم وجهادهم وأقل ذلك الواجب كفالة ُعوائل هؤلاء ومن كانوا يعيلون والسؤالُ عن أحوالهم.
ولو تأمَّلْت سيرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وسيرة الخلفاء الراشدين؛ لرأيت بِرَّهم وودهم واهتمامهم بأسر الشهداء، وقد أَمَرَنا رسولُنا -صلى الله عليه وسلم- بالتمسك بسنته وبسنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
وسنورد آثارًا بين أيديكم نبيِّن خُلُقَ النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبِه الكرام مع أُسَر المجاهدين وذويهم.
وسنورد كذلك بعضَ أقوال أهل العلم في هذا الباب.
ونسأل الله الهداية والسداد، وأن يحصل من هذا المختصر مقصودُه من تذكرة المجاهدين والأمة عامة بحقِّ قلَّ مؤديه، وبابِ خير قلَّ القائم عليه. وأما تفصيل مسائل هذا الأمر العظيم وتحريرها؛ فلم يكن من مقصودنا من هذه الكتابة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
حسن العهد من الإيمان
كان -صلى الله عليه وسلم- حَسن العهد وفيًّا، جوادًا مفضالًا؛ فاستحق أن يكونَ خُلقه القرآن، وإليك بعضًا من مواقف حُسن عهده وطيبِ معشره وصدق محبته للمسلمين ولمن يعملون لدين الله. وله ولأصحابه في ذلك مواقفُ مشهودة مسجلة.
روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنًّ امرأةً سوداءَ كانت تَقُمُّ المسجدَ -أو شابًّا- ففقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسأل عنها -أو عنه- فقالوا: مات، قال: (أفلا كنتم آذنتموني؟!) قال: فكأنهم صغَّرُوا أمرَها -أو أمرَه- فقال: (دُلُّوني على قبره) فدَلُّوه، فصلى عليها، ثم قال: (إن هذه القبور مملوءةٌ ظُلمةً على أهلِها، وإن الله -عز وجل- ينَوِّرُها لهم بصلاتي عليهم) .
فانظر -رحمك الله- لنبي الله -صلى الله عليه وسلم- وتثمينِه -بأبي هو وأمي- لذلك العمل؛ سؤاله عنها، وغضبه حينما أخبروه بوفاتها أو دفنها دون إعلامه، فقال لهم: دلوني على قبرها. فذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه الشريفة، ومعه أصحابه الكرام البررة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- إلى قبر تلك المرأة السوداء، وصلَّوا عليها، ودعَوا لها، تثمينًا من النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا العمل، ولو كان الفاعل له امرأة سوداء!! قلت: وانظر واعجب من تثمينه لهذا العمل - أعني قَمَّ المسجد- وهو ما قد يبدو في أعين الناس مستصغرًا في مجتمع يملؤه أهل السابقة في الإيمان والهجرة، والجهاد والنصرة، والعطاء