الصفحة 49 من 88

والصدقة، فلم يستصغره ولم يتأخر -صلى الله عليه وسلم- عن الوفاء لعامله وتقديره، فبوفائه فلنقتدِ.

وروى البخاري في صحيحه من حديث محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-قال في أسارى بدر، وكانوا سبعين من صناديد الكفر: (لو كان المطعِمُ بن عَدِيٍّ حيًّا ثُمَّ كلَّمَني في هؤلاء النَّتْنَى لتركتُهم له) ، فانظر كيف حفظت هذه النفس الشريفة الكريمة معروفًا مقدًّمًا لها [1] ، لا أقول من مسلم بل من كافر.

وقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (ما غِرْتُ على امرأة ما غِرْتُ على خديجة، ولقد هَلَكَتْ قبل أن يتزوجني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثلاث سنين، لِمَا كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة، ثم يهدي في خَلَّتها منها) يعني: في صُوَيْحِباتِها منها، وهن خلائلها وصديقاتها.

وورد في البخاري في الأدب المفرد: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أُتِيَ بالشيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة) . وأخرج الحاكم و البيهقي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (جاءت عجوز إلى النبي صلى الله وعليه وسلم، فارتاع لها وخرج، فقال: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خَرَجَتْ، قلت: يا رسول الله! تُقْبِل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: يا عائشة! إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان) .

وبعد هذه المواقف القصيرة من حسن عهده -صلى الله عليه وسلم- بشكل عام ووفائه؛ نمضي في حديثنا حتى نرى خُلُقَه وصحبٍه مع أسر المجاهدين والشهداء ...

(1) لما اشتد أذى كفار قريش للنبي -صلى الله عليه وسلم-بعد موت عمه أبي طالب، خرج إلى الطائف، فأغروا به سفهاءهم، وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، حتى أدموا قدميه، ثم قفل بعد ذلك إلى مكة، فقال له زيد بن حارثة -رضي الله عنه-: (كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ -يعني كفار قريش- فقال: يا زيد! إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا. وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه) .

فأرسل رجلًا من خزاعة إلى المطعم بن عدي: (أدخل في جوارك؟) فقال: نعم! فدعا المطعم بنيه وقومه، فقال: البسوا السلاح، وكانوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا، فلا يَهجه منكم أحد، فانتهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به في السلاح. انظر: مختصر سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، تأليف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 116 - 115. فحفظ النبي -صلى الله عليه وسلم-هذا الصنيع للمطعم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت