وأما تغيير إخواننا ومشايخنا في قاعدة الجهاد لأسلوب خطابهم مع الأمة؛ فهذا لا يعني -بأي حال-وجود تبديل أو تراجعات؛ بل هذا باب راجع للمصلحة والمفسدة وتقدير مسائل السياسة الشرعية، إذ رأوا النفع الأكبر في اتباع أسلوب خطابي أكثر من غيره؛ فالتزموه وعملوا به، فقد جربوا وتعلموا الدروس واستفادوا من الأخطاء، وقد حدثني أحد المشايخ الذين صاحبوا الشيخ عبد الله عزام، والشيخ أسامة، والشيخ الزرقاوي -وهو رجل مسن بلغ عمره الآن قرابة سبعين عاما، وقد جاهد في عدة ساحات-فقال بعد أن ذكر من صاحبهم وذكر كلاما نفيسا عن الإخوة في بيشاور وخصوصا الشيخ عبد الله عزام؛ وذكر عنهم أنهم جميعا: (كانوا يرون الحق فيرجعون إليه، ويرون الأصلح فيأخذون به) .
قلت: سبحان الله؛ قد صار العمل بالأخير والأنفع في الدعوة إلى الله تعالى -الذي لا يخالف أحد في مشروعيته، ولا في إحسان صانعه-تراجعا وتنزلا وانتكاسا، فأي فقه منكوس يحمله قائل هذه العبارات الهلامية؟ وأي تقوى بل أي ورع يحمله مدعي هذه الدعاوى الزائفة؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
إن التفريق بين الرجوع للحق، والتراجع عن الحق، باب عظيم من العلم لا يفقهه غلاة العصر ومن فسدت فطرتهم وجبلوا على الزعامة وحب التصدر وتكفير المسلمين واستباحة دمائهم.
وها هي ساحة الشام الفاضحة تظهر عوارهم اليوم؛ فقد سمى السلف سورة براءة -أي سورة التوبة-الفاضحة لأنها فضحت المنافقين؛ فكذلك ساحة الشام نسميها بالفاضحة، وبالكاشفة لأنها كشفت الغلاة والمارقين، وكشفت للأمة حقيقة الجهاد والمجاهدين؛ فعرف الناس أن تنظيم القاعدة والحركة الجهادية بريئة من المتمسحين به من الغلاة الذين أرادوا حرف مسيرة الجهاد إلا أن الله أبى إلا أن يتم نوره، وقد من الله على الشام بهذه الأحداث التي كُشفت بها الأوراق، وحُقَّ بها الحق وأزهق الباطل، ولو كره المجرمون، ولوكره المبطلون.
وقبل ختام هذه الرسالة؛ فإننا نؤكد أن تنظيم القاعدة لا يقصي العلماء الذين يريدون خدمة الإسلام والمسلمين، بل إنه -على العكس من ذلك-يستشهد بأقوالهم ويقبل نصحهم، ولقد أكد الشيخ عطية الله ذلك فقال: (أمثل الحالات وأوفقها وأكملها في الأعمال الجهادية والثورية هي أن يسود الوفاق والتحابب وكمال الانسجام والثقة التامّة بين أهل الحرب والعسكرية من جهة، وأهل السياسة والدعوة وأهل العلم من جهة أخرى، وكذلك بين أهل الداخل وأهل الخارج.