فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 711

كانت سيارة المخابرات المدنية التي أقلتني تنهب الأرض نهبا فيما كانت رجلي ترتجف من شدة اضطرابي فتصعد وتنزل بشكل لا إرادي حتى اضطررت أن أثبتها بيدي الإثنتين فلا تفضحني! كنت أحس السيارة تقفز بنا قفزا فوق باقي السيارات من سرعتها، ورأسي يرتطم بالسقف مع كل انعطافة منها أو لفتة ويعود فيرتج بين كتفي. . فيما تطلق سيارة المرافقة الأمامية أضواءها الباهرة وبوقها المرعب فتنفر السيارات والناس من حولنا مذعورين، وتكمل سيارة الحماية الخلفية المشهد فتزمجر بمحركها لتزيد الناس إرهابا وخوفا. . وحينما مر موكبنا على"جديدة عرطوز"حيث المكان المخصص لإعدامات العسكريين قلت لنفسي: - إذا هم اخذينني إلى الإعدام. لكننا تجاوزنا وقد أطبقت ظلمة الليل علينا حتى وصلنا فرع التحقيق العسكري بالمزة فاستقبلتنا الأبواب مفتوحة بالإنتظار، وسرعان ما ولجت السيارات الثلاث داخل الأسوار الشاهقة فلم تعد لي من وقتها صلة بالعالم في الخارج.

توقفت السيارة أمام باب المبنى وتقدم المقدم مني فعصب لي عيني وكبل يدي إلى الخلف وأنا لا أزال مكاني، فقلت له: لكنني حتى أثناء التحقيق الأصلي لم أطمش ولم أكلبش. فقال وهو يجذبني من كتفي: القوانين هنا غيرها هناك. ووجدته يصعدني على درج طويل ثم لم يلبث أن أنزلني ثانية وعاد يصعد بي وذلك حتى أفقد القدرة على معرفة المكان أو تمييز الإتجاهات. . وبعد رحلة من الصعود والهبوط زادت من توتري واجهادي وأنا لم أتناول شيئا بعد الإفطار أدخلني في ممر طويل وأدارني باتجاه الجدار وقال لي انتظري، وبعد خمس دقائق فتح الباب الذي يليني وسمعت صوتا يقول: أدخلها. فدخلت لا أكاد أدري إلى أين، ويد المقدم تقودني إلى كرسي أجلسني عليه فجلست، ومن طرف العصابة التي انزلقت عن عيني بعض الشيء استطعت أن ألمح ظل طاولة أمامي وهيئة رجل ما يجلس خلفها ويسالنى: - ماذا ترين أمامك؟ قلت له: لاشيء. كان محدثي هو العقيد كمال يوسف رئيس الفرع، وكان أشد ما يخاف على نفسه ربما لأنه مسيحي لا تحميه طائفته كأكثر الضباط الاخرين، فكان يشدد على أن لا يعرف صورته أحد. . ووجدته يلتفت على عنصر معنا ويسأله: - وأين ذاك الآخر؟ فأجابه من غير أن أدري عمن كانا يتحدثان: إنه تحت في المنفردة 24 سيدي .. لكن الرعب تملك قلبي من جديد، وقلت لنفسي إنه أخي إذا وقع بأيديهم وكانوا يحققون معه للتو. وعاد العقيد فسأل: - وكيف وضعيته؟ أجاب الاخر: جالس على الأرض ومكلبش من يديه ورجليه للوراء ومطمش سيدي. فلما أحس أنني تلقيت الرسالة المطلوبة وأصابني الرعب التفت إلي يقول: -إي يا ست هبة. . شوفي. . إذا بدك تحكي معنا الصدق فهناك أمل أن نخرجك، واذا بدك تكذبي فلا مجال أن تخرجي أبدا. قلت له: بكون أحسن. قال ببرود: وليش بكون أحسن؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت