فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 711

عدت إلى قطنا حيث تخف المعاناة مقارنة بالسجن الذي أتيت منه ولكنها لا تنتهي. . ولم يجدد من رتابة حياتنا المملة إلا حدث الإفراج عن دفعة أخرى من السجينات كن أم معقل وأم هيثم وأم عبد الباسط وابنتها عائدة. . ثم لم تلبث وأن لحقت بهن أم خالد وأم زهير بعد عدة أشهر. . وكان الإفراج عنهن جميعا بنفس الطريقة والترتيب، فقد قرأوا أسماءهن عند الصباح وأعطوهن فرصة ليجمعن حاجياتهن، ثم أخذوهن إلى التحقيق العسكري ليفرج عنهن من هناك. . وكان منظرا مؤثرا بالفعل خروج معقل الذي ولد في المعتقل وشب وترعرع فيه حتى قارب من العمر خمس سنين! ولا أزال أذكر حين غادر حدود السجن لأول مرة عندما أخرجه أخي غسان في إحدى زياراته بإذن من مدير السجن، فلما عاد جعل يحكي لأمه مشاهداته الأولى في عالم الإنسان الطبيعى ويقول لها بانفعال:"- ماما. . ماما. . أنا رأيت واحدا يمشي على أربع أرجل. . فلما سألت أخي عما يعنيه قال لي ضاحكا: لقد رأى الحمار! وقال لي أنه وضع رجله على الأرض ليمشي فتحركت حجرة تحت رجله فغشي في البكاء! وعندما أراد مدير السجن أن يحرك دراجته النارية خاف واضطرب والتصق بأخى كأنما يستغيث به! - وفي المرة الثانية وعندما بلغ ثلاث سنوات أرسلوه إلى الضيعة عند بيت جده حتى يتأقلم قليلا مع الناس ويرى إخوته، لكنهم ومن كثرة ما رأورا منه لم يصدقوا كيف أعادوه! ولقد روت جدته أنه كان يتناول الأحجار فيرمي بها إخوته ويشج رؤوسهم وهو لا يدرك أن الحجارة يمكن أن تؤذي! ولما ساكناه عم رأى هناك قال: -رأيت بقرة زرقاء بتبش حليب! وفهمنا بعد الشرح والإستقصاء أنه شاهد كيف تحلب البقرة فظنها تبول حليبا، ولعدم معرفته بالألوان ظنها زرقاء! ومثلما كان وداع معقل مؤثرا فقد كان استقباله بعد بضعة أشهر حينيما أتى في زيارة مع والدته مؤثرا أيضا. . فلقد تجمعت البنات حوله ينتظرن أن يسمعن منه كلمته الأثيرة"طظ أسد. ."لكن أمه بادرت وسألته لتسمعنا الفارق وترينا أثر الحرية عليه: قل لهم حبيبي ماذا تعلمت في المدرسة. فجعل مقبل الذي أنفق سنوات عمره الخمس الأولى وراء القضبان بسبب هذا النظام الظالم يسمعنا أغنيات المديح والتمجيد للثورة وللقائد الأسد! ولقد روت لنا أمه أنها لما أخبرته عن زيارتنا أخذ يبكي. . فلما سألته عن السبب قال لها: الان أبو مصطفى يدخلني المهجع ويقفل علي. ولم يدخل مقبل علينا إلا بثق الأنفس رغم تطمينات أمه وأبي مصطفى نفسه، وعندما صار بيننا جعل وقد ذاق بعض معاني الحرية في الخارج يوزع علينا نظرات التحسر والأسف، ولا يكف عن مراقبة الباب خشية أن يغلق عليه من جديد!"

الفصل الخامس

سجن دوما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت