فهرس الكتاب
معركة مع الزمن
نوفمبر1985أكتوبر 1989
سجن دوما، معركة مع الزمن
مرت أسابيع أخر ونحن في قطنا نمضغ الأيام ونزدرد الأسى. . ونحس كلما تطاول العهد وتباعد الزمان أنها رحلة إلى النهاية ليس عنها من فكاك! وبرغم الأنباء التي كانت بدأت تتسرب إلينا من قبل عن نية نقلنا إلى سجن آخر. . ورغم إشارات من بعض مسئولي السجن لنا بتخفيف الأغراض والإستعداد لرحيل قريب، إلا أننا وكأننا ألغينا كلمات الإفراج والخلاص وحتى الإنتقال من قواميسنا. . وبتنا نعيش يومنا وحسب في هذا القمقم الذي ضاق حتى بالأنفاس! لكننا وفي صباح تشريني بارد وجدنا مدير السجن ومجموعة من الشرطة معه يدخلون من غير مقدمات علينا ويقولون لنا جهزوا أنفسكن للنقل صباح الغد! كان السؤال الأول الذي قفز إلى أذهاننا: إلى أين؟ فلما بلغنا الجواب: إلى سجن دوما المدني حضر بداهة إلينا السؤال التالي: لماذا؟ وكانت الإجابة حينها بأن السجن هنا ضاق بنزيلاته، وأن الحكومة انتهت من بناء سجن جديد في"عدرا"فنقلوا سجناء دوما إليه لينقلونا إلى هناك ويحولوا قطنا إلى مجرد مخفر. لكن إشاعة سرت وقتذاك - ولكنني لم أدر بها إلا بعد الإفراج عنا روجت بأن النقل كان بسببي أنا! وأن أخبارا تسربت عن اعتزام اخوتي القدوم واختطافي من السجن، وأن زوجة أخي غسان علمت بذلك وأخبرتهم فقاموا بنقلنا بناء على ذلك إ! ولم أفاجأ حينما سمعت القصة حينها لأنني كنت قد وجدت من زوجة أخي ما يؤكد تعاملها مع المخابرات. . مثلما وجدت عددا غيرها من الأقارب وأبناء البلد تحولوا إلى صف النظام وجندوا أنفسهم جواسيس لديه طمعا بمكاسب رخيصة ينالونها أو خوفا من مشاكل ومتاعب قد يواجهونها إ! وعلى كل حال تم الإشعار بالنقل، ووجدتنا نهرع لنلملم ما تكدس لدينا من متاع وحاجيات. . وفي صباح اليوم التالي انتشر الحرس على الأسطحة وتوزعوا على المداخل والأ بواب. . وتقدمت شاحنة كبيرة في البداية لنقل الأمتعة والأكياس وغالونات الكاز التي كنا قد اشتريناها لنملأ بها وقود الحمام. . حتى إذا امتلأت الشاحنة وكادت أن تفيض تحركت باتجاه منزلنا الجديد، أخرجونا بعدها اثنتين اثنتين فكبلونا وأصعدونا واحدا من باصات النقل الداخلي، وصعدت مجموعة من الشرطة المسلحين فجلسوا عند البابين الأمامي والخلفي، ومضوا بنا قرابة العشرين سجينة نحو دوما من طريق خارج المدينة، تتقدمنا سيارة شرطة وتتبعنا اثنتان أخريان للحماية والحراسة. . وزاد من كآبة الحال الغيوم الداكنة التي كست السماء يومها فحجبت الشمس وأحالت الدنيا من حولنا كئيبة مظلمة. . وعندما وصلنا اخر الأمر كنا متعبين جدا وجائعين وقلقين