فهرس الكتاب
واحدًا واحدًا ووجوهنا إلى الجدار وتنقض المجموعة على الواحد بالضرب الرهيب وتقوده إلى الدولاب فيضعونه فيه ويضبطون رجليه بعصا الفلقة ومن ثم ينهال عليه ثلاثة جلادين بالضرب الشديد على رجليه فكأنها النار المحرقة تكوي العظام، ويشتد الألم ويتعالى صراخ المعذب ويتأوه متألمًا شاكيًا، ولكن الضرب يشتد على المعتقل في دولاب التعذيب والكرابيج تطحنه فيصيح ملء الفم زعيقًا وعويلًا هو أبعد ما يكون عن صوت البشر وينفتح الفم إلى آخره فيقلمونه الحذاء ويدسونه في فمه، فإذا أبعد وجهه ركلوا رأسه وداسوا رقبته، ويعلو الزعيق والصراخ من شدة الألم والعذاب في تلك الباحة حتى يضج به المكان فينبري الرقيب العتيد يصرخ زاجرًا ناهيًا بصوت مدو يأمر بالسكوت: (سكوت ولك) وكأنه قائد أوركسترا يضبط النغم في حفلة صاخبة يستعمل الصراخ الناهر بدل عصا الأوركسترا فيلجم الخوف الأفواه وتختنق صرخات الألم.
تذكرت في ذلك الموقف أصحاب الأخدود والنار ذات الوقود وإلقاء المؤمنين في وقدة النار وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، كانت عناصر الفرقة الجوالة تطوف على الواقفين المنتظرين بسيل من الضربات العارمة تجعل الواحد يحن إلى دولاب الموت أن يدركه، فسمع صوت الكرباج الثقيل (وهو عبارة عن قشاط دبابة) ينهدّ على ظهر المعذب أو على رأسه فيرتجف ويكاد يصعق، ويئن ويصرخ بالصوت المخنوق المرة تلو الأخرى.
كنت أقف ووجهي إلى الجدار أنتظر دوري في الدولاب الرهيب، وأناجي ربي: يا سميع يا بصير يا من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يا رب رحمتك غوثك .. هاهم الجلادون المجرمون جنود الشيطان ينقضون على عبادك المستضعفين بالعذاب .. يا الله يا الله ..
وجاء دوري وطحنني الجلادون بكرابيجهم وأنزلوني في الدولاب واشتد البلاء بضرب رهيب وثلاثة من الجلادين عاري الصدور والظهور وبأيديهم الكرابيج كأنها اللهب، يقف الواحد منهم مباعدا رجليه جاثيًا على ركبتيه رافعًا يده بالكرباج إلى الأعلى والوراء، حتى ترى عفرة إبطه، وينزل به كأنه الصاعقة الماحقة، تريد أن تدمّر وتحطّم ولكن لطف الله أعظم.
ويصرخ الواحد منهم بأعلى صوته وكأنه يحارب في معركة قد حمي فيها الوطيس، واحمرت الحدق، ونحن، عبيد الله المستسلمين لقضائه، لا ترحمنا سياطهم ولا ترأف بنا قلوبهم/ وكأنهم جنوا وركبتهم العفاريت والشياطين فانقضّوا علينا وقد فقدوا العقول فلا عقول.
كان الشاب الصغير إسماعيل يصرخ متألمًا باكيًا شاكيًا مستغربًا يقول: إيش بتريدوا دخيلكن؟ أما نبيل فقد كان يعلن براءته مالي علاقة والله ما عملت شيء دخليكن أنا بريء، وهم يزودونه بالكرابيج ويلكمونه ويرفسونه ثم ألقوه أرضًا وأوسعوه ركلًا وضربًا حتى سالت الدماء من وجهه وشفتيه وغاب عن الوعي أو كاد فأدخلوه في الدولاب وأذاقوه من العذاب ثم أقاموه بعد أن تعبوا