فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 711

وكلّوا وأنهكوه ووجهوه إلى الجدار حيث العصا الرهيبة في الانتظار تفلق الرؤوس وتحطم الظهور وتدفع من انتهى أجله إلى القبور.

صبرت قليلًا على الضرب والتعذيب ولكن رجلي أصبحتا وكأن فيهما جمر نار يحرق العظام، فنفد الصبر وضاق بي الأمر وكدت أغيب عن الصواب وصرخت مرة ومرات ثم انفتح فمي الزعيق فما شعرت إلا وحذاء ضخم يصك أسناني ويكاد يسد حلقي ولكني كنت في شغل عنه وغبت عن الوجود، فما دريت إلا وأنا أساق دفعًا وركلًا إلى مكان ما وأبصرت أمامي نفرًا من إخواني بعضهم واقع على الأرض، والبعض يقفز أو يتحرك في حال مأساوية، دماء نازفة ووجوه ملأى بالجروح وأرجل قد تمزقت وسالت منها الدماء وصراخ يقطع الأكباد.

وصرخ فيّ عسكري جلاد، وانقض آخر بعصاه فحطم بها ظهري فوقعت بين الموت والحياة وصرخت صرخة انطلقت مخنوقة من صدري الذي ظننته قد انشق نصفين (يا الله يا الله) وبادرني آخر بالزعيق لكي أستجيب وأقوم فما استطعت ولكن الركل والضرب أجبراني على القيام فقمت وكنت أظنني لا أقوم. وجاء شخص بالماء فرشقنا به وإذا بي قرب نبيل وهو يبكي ويتمسك بي قائلًا:

-سلّم لي على أهلي أنا بدي أموت ..

فقلت: اصبر يا رجل ..

وإذا بالصراخ يأخذنا من كل جانب .. واستدعانا الرقيب الكبير فإذا به جالس على كرسي في الظل بارز الصدر مستقيم الظهر منفوش كالديك فأخذ يستجوبنا:

-إيش كنتو عم تحكو يا ... ؟

كان عقله المريض يصوّر له أشياء غريبة، لابد أننا نتآمر عليهم أو على سلامة النظام. قلت: إنه يقول لي أنا بدي موت سلّم على أهلي.

فصرخ بغضب: (كذاب ولك) إيش كنتو عم تحكوا؟

قال نبيل: والله يا سيدي هيك قلتلو ..

-كذابين ولك حقراء ..

ثم أشار للجلاد وقال:

(سلخن لها الكلاب .. ) وانهال علينا مارد عاري الصدر نحيل الوجه مليء الجسم، فكان وجهه وجه فأر وجسمه جسم حمار وإنها لسحنة معروفة ولهجة غير خافية وهو يقول: (متحكوا يا حقيرين يا ... ) وانهال عليّ ضربًا حتى وقعت على الأرض أصرخ، فلم يتركني حتى شفى غيظه وحقده مني وأعادني إلى مكاني مع نبيل بعد أن ضربه أيضًا ضربًا شديدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت