فهرس الكتاب
وجاء من يرش الماء علينا ويسمونه (البلدية) كان كما علمنا بعد ذلك، سجينًا قضائيًا من سجن العسكريين يعمل هنا في الخدمة التي يسمونه (البلدية) ولا أدري ممن بدرت بادرة خير ولعلها من نوع الرأفة بالحيوانات فقال أحدهم للبلدية: اسقيه.
كانت شفتاي مشققتين من الضرب، وحلقي جافًا من العطش، والصراخ واللهاث وحالي بالغة السوء، فناولني (البلدية) سطلًا من البلاستيك فيه ماء قذر وسخ قائلًا: تفضل .. فاندفعت أشرب منه بضع جرعات ولم أعده إليه بل ناولته لنبيل فشرب وسقى شخصًا آخر أو شخصين. ثم أخذوا الماء ولم يسقوا الباقين، وكنا بلا طعام ولا شراب منذ أربع عشرة ساعة تقريبًا. كانت كلمة (تفضل) ترن في سمعي وصوت واجف يقولها وكأنه يقول: اشرب يا أخي فداك روحي.
أربع ساعات من القهر والعذاب والتحطيم لا يعلم ما قاسينا فيها إلا الله والذي عاشها من نزلاء تدمر، وكل معتقل يأتي تدمر لابد أن يطبق له الاستقبال اللعين فتطحنه رحى العذاب ويذوق الموت في ذلك الدولاب، وينظر بوحشية بني البشر التي فاقت وحشية وحوش الغاب سوءًا وضراوة وغدرًا.
أربع ساعات مرت والموت يحوم فيها فوقنا تصكح آذاننا أصوات غريبة رهيبة، كرابيج تعوي وتصفع الأقدام والرؤوس والظهور بلطمات هائلات يلقي صوتها الرعب والهلع في قلب أشجع الشجعان.
وساقونا بعد ذلك في صف طويل متموج واحدًا واحدًا ونحن منكسو الرؤوس محنيو الظهور، وهم يضربوننا بالكرابيج. أدخلونا بعد سين وجيم مهجعًا طويلًا فاندفعنا فيه إلى أقصى مكان نتزاحم على الحائط أو الزوايا البعيدة بعد أن وضعنا الجرحى جانبًا، وأغلق الباب وسمعنا صوت قفله وتنفسنا الصعداء وثبنا إلى أنفسنا وأخذنا نجول بأبصارنا في أجسامنا وفي جنبات المكان. وتعالت تنهدات وآهات وتوجعات وتكلم البعض، وإذا بصراخ مخيف يأتي من جهة الباب:
-ولك يا حقيرين يا ... بدون صوت ولك يا ... بلا صوت والله لندبحكن ونشرب دمكن يا .. بلا صوت ..
وانكفأنا مبتعدين خائفين، وخمد الكلام في الأفواه وصبرنا وقتًا أطول واجمين هلعين. نظرت فيمن حولي .. كان كل فرد في حالة رهيبة من الألم والتعب والإرهاق، وإذا بأحدهم يضم آخر ويبكي بكاء مرًا فانهمرت من عيني الدموع، وأمسكت بمن كان قربي ونظرت في وجهه، كان وجهًا داميًا باكيًا فناديته هامسًا:
-يا أخي ..
كان ذاهلًا فأخذته وضممته إلى صدري. إنها الرحمة التي أودعها الله في قلوب عباده ..
وناجيت ربي قائلًا: