فهرس الكتاب
-يا رب إن كانت عواطف الخير والرحمة قد عدمت وجفّت ينابيعها في قلوب الناس، فها هي قلوبنا تملأ الدنيا بحب الخير والشوق إليه وإلى عدالتك .. يا رب السماء وإلى رحمتك يا إله العالمين، وإن غفلت عنا الدنيا ولم يعرف بأمرنا الناس ولم يرحمنا البشر فأنت يا رب بحالنا عليم، ورحمتك أوسع لنا يا أرحم الراحمين.
التعليمات .. أو خطبة المساعد
لم نلبث إلا قليلًا حتى جاؤوا .. سمعنا صوت المفتاح في قفل الباب، فاندفعنا إلى أقصى المكان نحتمي ببعضنا بعضًا وقد أخذ الخوف مأخذه منا، وفتح الباب واندفع الجلادون إلينا يصرخون بحقد وجنون وانهالوا علينا ضربًا رهيبًا بالكرابيج حتى كلّت أيديهم وحتى علا الصراخ واشتدّ الكرب وجاء صوت رفيع يأمر قائلًا:
-يكفي شرطة ثم تابع: الجميع واقفًا.
فوقف كل من له رجلان فالخوف فوق الألم، وكنا ندير وجوهنا إلى الحائط وظهورنا إليهم، وجاء الأمر: وراء در، وأمر آخر لم نطعه لغرابته: فتح عاينك، تطلع لهون، ولكن مع تكرار الأمر فتحنا عيوننا ونظرنا فإذا بضعة عشر جلادًا باللباس العسكري والقبعات الحمراء والكرابيج في أيديهم وكان المتكلم يلبس بدلة عسكرية مكوية وعلى رأسه القبعة الحمراء أيضًا وعلى عضده نجمات ثلاث، وتكلم بصوت مدو فقال:
-انتو جيتو لهون باجريكن ما حدا جابكن يا حقراء يا ... بتعرفوا وين هون؟ ما بتعرفوا .. هون سجن عسكري، يعني نظام عسكري يعني بدنا نفطركم قتل، ونغديكم قتل، ونعشيكم قتل، مسموح لنا نقتل (20) منكم (كان هذا فعلًا على أقل تقدير كما تبين لنا فيما بعد) يا حقراء .. يا .. ممنوع الكلام الصوت ممنوع، الكلام مع الشرطة ممنوع، تفتيح الأعين ممنوع، السهر ممنوع، بدكن تستلموا الحكم ما هيك استلموا البطانيات يا حقراء، لولا سباط الحزب (يعني حذاء الحزب) ما شبعتوا الخبز.
-ثم أعطى بعد ذلك تعليمات معينة مؤادها أن نرفع رؤوسنا ووجوهنا إلى السقف وأن نغمض أعيننا ونقف باستعداد كلما فتح باب المهجع، وفي حضرة الشرطة والرقباء. ووضعوا لنا رئيس مهجع من العسكريين المعتقلين معنا. فإذا سمع صوت المفتاح في القفل فإنه يصرخ: انتبه .. وعندها يسارع كل واحد إلى مكانه بأقصى سرعة ويقف بحالة انتباه ويعطي رئيس المهجع إيعاز: استاعد .. فيستعد الجميع، فيقدم رئيس المهجع الصف قائلًا: المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب، ويكون الجميع بوضعية الاستعداد والوجه مرفوع للسقف والأعين مغمضة.