فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 711

أنهى المساعد خطبته والتفت إلى ما حوله فأيده الجلادون بكرابيجهم وزمجرتهم وسبابهم ثم خرجوا .. كنا في موقف لا نحسد عليه، ولم يكن لنا إلا خيار الانفلاق على حسب رأيه ولكني كنت أفكر: هل مات الضمير؟ هل فقد العقل وتحطم المنطق؟ هل انعدمت القيم كل القيم؟ ولم يبق شيء.

بعد مضي حوالي الساعتين تقريبًا، عاد إلينا الجلادون أيضًا وصرخ أحدهم بصوت مرعب: ولك حقراء .. وأخذوا يسبون ويشتمون.

وسارعنا نطبق تعليمات رئيس الجلادين، وذلك بأن سارعنا إلى أماكننا ووقفنا باستعداد، ورفعنا رؤوسنا إلى الأعلى وأغمضنا أعيننا!! وسلمنا أمرنا لمن بيده الأمر.

وقدم أحد المعتقلين وهو الذي سموه (رئيس المهجع) الصف قائلًا: استارح .. استاعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب .. وهكذا بدأت في حياتنا تلك الجملة المكررة الرهيبة حين دخول الجلادين وحين خروجهم، ورافقت هذه الجملة بعد ذلك طوال مدة وجودنا في سجن تدمر الرهيب تتكرر في الصباح والمساء، والضحى والظهر والعصر والليل والنهار .. وما أن نسمعها من بعيد حتى يسيطر علينا الخوف ويهيمن الرعب والفزع، فننطلق ضارعين متوسلين مستغيثين ..

كان معنى هذه اللازمة أن جلادي سجن الموت قد جاؤوا أو قل جاء الشر والقهر والعذاب في صور غير معلومة.

ثم ما لبث أن اندفع الجلادون إلى الداخل كالوحوش الضارية يصرخون ويشتمون ويأمروننا بفتح أيدينا للضرب، ويضربوننا عليها بالكرابيج بقسوة، مع الأمر بتغميض العيون. وتعالى الصراخ من الجلادين بالنهر والسباب والزجر، ومن المعذبين بالشكاية. وكان الجلادون خلال ذلك لا يرحمون مريضًا أو طريحًا لا يستطيع القيام بل يضربونه بالكرباج بقوة وقسوة ويأمرونه بالقيام مع السباب فإذا رأوه بين الموت والحياة زادوا عليه ضربًا وركلًا وأظهروا التشفي ويصرخون:

-موت يا حقير .. الله لا يرحكم .. فطوس يا كلب ..

ووقع بعض المعذبين على الأرض فلم يتركوهم بل اندفعوا يضربونهم ويرفسونهم ويأمرونهم بالقيام.

وقرع الباب .. قرعة الرقيب حامل المفاتيح، واستدعى الجلادين، فخرجوا وهم يشتمون ويكفرون ويسبون الله ومحمدًا والدين والإسلام والمسلمين، وقبل أن يخرجوا عادوا وكأنهم تذكروا شيئًا فطلبوا رئيس المهجع وأمروه بالوقوف باستعداد رافع الرأس مغمض العينين، فوقف أمامهم كذلك، فاندفع إليه العسكري الجاهل الحاقد فصفعه على وجهه بقسوة ولكمه في بطنه، وانقضّ الجلاد الآخر عليه بالكرباج يضربه بقسوة حتى ألقوه أرضًا، حدث ذلك في وقت قصير، حيث أنهم اندفعوا يضربونه بسرعة وقسوة وهم يصرخون ويزمجرون وتركوه ملقى على الأرض وخرجوا فرحين هازئين. وكان هذا الشاب مثقفًا يحمل شهادة عالية في الأدب الإنكليزي، وهو أيضًا ضابط مجند في الجيش، أديب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت