فهرس الكتاب
فتح الجلاد باب المهجع وأمرونا أن نخرج بسرعة مع أغراضنا، فحملنا أغراضنا وحملنا المرضى والمصابين، وخرجنا بسرعة وقادونا ونحن مغمضو العيون وهم يصرخون فينا ويشددون علينا ويضربوننا بشدة بتهمة تفتيح أعيننا.
مررنا بعدة باحات، وولجنا عدة أبواب ثم أدخلونا مهجعًا جديدًا يشبه سابقه إلا أنه معتم واطئ السقف قليل النوافذ ضيقها .. وغاب الجلادون قليلًا ثم عادوا وأدخلوا علينا عددًا من المعتقلين الجدد وقد بلغ عددنا في المهجع حينذاك (60) معتقلًا ولم يكن هؤلاء المعتقلون الذين انضموا إلينا بأحسن حالًا منا.
اليوم الرابع
أية سكينة تتنزل في القلوب، وأية حياة وروح وراحة، من خلال النوم والأحلام يفوز بها المعتقل المعذب في سجن تدمر العسكري. إنها النعمة العوض، خوف ورعب وعذاب واستغاثة ولجوء، والنتيجة سكينة وصفاء وروحانية وإيمان، شاهدت في الرؤيا والدتي الحنون فقبلت يديها، وكانت راضية تدعو لي.
كنت سعيدًا بهذه الرؤيا التي تسعد القلب وتثير فيه الحنين والشجن، وأملت من هذه الرؤيا خيرًا .. فإني أعرف بركة دعاء أمي ورضاها .. كم من مرة نجوت من ورطات ومآزق ببركة دعائها. توهمت كثيرًا أن الحلم حقيقة فكنت مغضبًا متحسرًا أريد أن أعود إلى الحلم الجميل وأبتعد عن الواقع المرير، فأية رحمة إلهية هذه؟! إنها تثبيت للنفس وتقوية للروح .. بل هي كرامة اختص الله بها من عاشوا المحنة من أمثالنا ..
في الساعة السادسة والنصف صباحًا سمعنا صوت حركة الجلادين وصراخهم، فتسمّر كل منا في مكانه، وضم عليه ثيابه، ووقف رئيس المهجع وحضّر نفسه للقاء غير المبارك وبحث كل واحد عن أي شيء يلوذ به من الجلادين والعذاب، فلم يجد له ملاذًا إلا الله، فانطلق يدعوه ويلهج بذكره: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم. وأخذ آخرون يقرؤون آية الكرسي وقل هو الله أحد وياسين .. يتعوذون بها من شر الجلادين، واقتربت خطا الجلادين من المهجع وصرخ رئيس المهجع باللازمة (انتبه استاعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب) وفتح الباب ..
كنا نقف صفًا متصلًاَ على جوانب جدران المهجع ووجوهنا مرفوعة إلى الأعلى والأعين مغمضة، وكانت دماؤنا تغلي ترقبًا وتوجسًا وخوفًا من هذه الوحوش الجبلية التي تحمل لنا أطوادًا من الأحقاد التاريخية.