فهرس الكتاب
وجاء دوري فأخذني اثنان من الجلادين فضرباني على ظهري ورأسي بالكرباج وعلى يدي ورجلي .. ثم دفعا بي إلى مقعد محطم فأجلسوني عليه ويداي خلف ظهري وعيناي مغمضتان، وأخذ شخص يحلق لي شعر رأسي بعنف وبسرعة ثم دفعني وأمرني بالقيام، فما كدت أتحرك حتى تلقاني جلاد، فضربني ووجهني دفعًا إلى حائط قريب حيث وقفت وعيناي مغمضتان، ويداي خلف ظهري، وما لبث أن تناولني شخص آخر، وضع على وجهي معجون حلاقة، وأخذ يدلكه بالفرشاة وهو يسب ويجدف ثم دفعني دفعة شديدة إلى الحائط وجذبني آخر وهو يصرخ في وأخذ يحلق لي لحيتي بسرعة غريبة كنت أشعر معها أن شيئًا غير قليل من جلد وجهي قد كشط أو اقتطع، عدا الجروح في هذه الجهة أو تلك، وفرغ مني سريعًا، فأخذني نفر من الجلادين وعملوا لي حفلة (نعيمًا) وهي ضرب شديد بالكرابيج على اليدين وغير اليدين إلى آخره ..
كلنا نعرف الحلاقة عملية محببة كلها لطف وأدب، فإذا بالحلاقة في تدمر عملية غامضة مرعب فيها العذاب والضرب والإيذاء، وفيها التنكيل والجرح والتشويه والإذلال.
لما كنا في (كفرسوسة) في معتقل المخابرات العامة، طلبنا أكثر من مرة أن يسمحوا لنا بالحلاقة سواء بأدوات نحلق بها أو حلاق يقص شعورنا، فماطلوا وسوفوا ومنعوا ذلك عنا ..
وكان نصيبنا وقدرنا أن تكون لنا أعظم حلاقة عرفناها في حياتنا، حيث نالنا من العذاب والألم ما الله وحده به عليم، وقصّ شعرنا جميعه وحلق لحانا سوى نتف هنا وهناك، وجروح غائرات وهكذا عدنا إلى المهجع حالقين مشوهين.
ولم نكن قد رأينا بعضنا ونحن بغير تلك اللحى الشقراء والسوداء، فإذا بنا نصبح جردًا مردًا لم يكد أحدنا ليعرف أخاه، وفي غمرة هذا الاستغراب نسينا ألمنا ومتاعبنا وعذابنا وحمدنا الله على النجاة والسلامة من تحت أيدي الجلادين والحلاقين، وأخذنا نتذكر ما جرى لكل منا من آلام وأهوال وعذاب وجروح.
لكن الأمر العجيب هو ذلك اللطف الإلهي فقد كان أكثر من أحرق شعره وجهه وهو أبو سيد يبدو وكأنه لم يصب بشيء.
الانتقال إلى مهجع جديد
بعد عودتنا إلى المهجع من الحلاقة التي استمرت ثلاث ساعات تقريبًا، لم يمض إلا ساعة من الزمن حتى عاد إلينا الجلادون .. ونحن في حيرة وألم لا ندري متى يذهبون ولا حتى يعودون ولا ماذا يريدون؟ والأنكى من ذلك والأشد سوءًا هو أنهم دائمًا ساخطون غاضبون.