فهرس الكتاب
ومضى الوقت بطيئًا زاخرًا بالألم، وكأن اللقطة أعجبت المشاهدين فهي تعاد ببطء شديد وتعاد وتعاد وأدخل نزلاء المهجع رقم (8) وأخرج الجلادون نزلاء المهجع رقم (9) المجاور لنا فعذبوهم أيضًا ثم أدخلوهم ..
كان كل واحد من المعتقلين في المهجع في تحفز وخوف يتلفظ بأحر ما في قلبه من دعاء واستغاثة ..
صرخ رئيس المهجع: انتبه استاعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب.
فتح الباب .. ووقفنا كالعادة .. باستعداد جامدين مغمضي العيون .. ننتظر قضاء الله ..
وصرخوا فينا بقسوة: (لبرا ولك حقرا .. لبرا ولك كلاب .. تنفس .. ) وخرجنا مسرعين واحدًا واحدًا ..
اللهم لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك .. لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .. عليه توكلنا وعليه فليتوكل المتوكلون ..
استرقت النظر وأنا أخرج من الباب .. كان رئيس المهجع في أول الرتل الراكض رملًا .. كان مطأطئ الرأس محني الظهر ووراءه الجميع، كل واحد يدفن رأسه في ظهر الذي أمامه، صورة من الذل والمهانة لم أرها ولم أسمع بها .. لا بين الأسرى لدى إسرائيل ولا لدى هولاكو ولا في حال العبيد لدى نيرون والرومان ..
ولعلع صوت الكرباج .. مع أول خارج من باب المهجع .. ولما تكامل خروجنا جاء الأمر: منبطحًا ارفع رجليك .. وبدأ حفل العذاب .. بين هدوء واحتدام ..
وهجم الجلادون علينا يضربوننا بالكرابيج ويسبوننا ويشتموننا ويدوسوننا بأرجلهم ويرفسوننا في صور مريعة من القسوة والعنف وعدم الرحمة .. وعلا صراخ الألم، وأصوات المعذبين، وهجم علي جلاد كالبغل، فنالني من أذاه ما الله به عليم، وصرخت بصوت مبحوح، حتى كللت ثم أذن الله بالفرج، وجاء الأمر بدخول المهجع .. ووقف اثنان من الجلادين على الباب يضربون الداخلين ..
دخلنا المهجع .. وأغلق الباب .. وصرخ رئيس المهجع باللازمة .. استلقى كل منا في ناحية أو تكوم في زاوية، فكتم التنهدات والحسرات والآلام حتى ابتعدوا عن الباب .. وخر البعض ساجدين وتبعهم الباقون، وسجدت لله أحمده وأشكره ..
كنت أمثل لحالنا وحالهم: بصورة شعبية معروفة في منطقتنا، تحكي تبجح الجبان حيث يقول متحسرًا ومتفاجرًا يظهر بطولته في تأديب الخصم:
أخ لو كتفوا لي إيديه ورجليه .. وأعطوني عصا غليظة .. وقالوا لي ميل عليه .. فكنت أعجب من هؤلاء المتبجحين بالرجولة والشجاعة .. وهم من أجبن الناس، ومن أخس الأوباش، أهكذا الرجولة تكون؟ ..