فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 711

ولكن التنفس هكذا يكون في نظام سجن التصفية الجسدية للأخوان المسلمين ..

ذهب الجلادون بعد ذلك إلى المهجع الذي يلينا، ففتحوا بابه وأخرجوا نزلاءه فأخذوا يعذبونهم ويضربونهم ونحن نستمع في إشفاق وألم وقهر، ولا نملك سوى الدعاء بحرقة إلى الله .. نسأله أن يرحم المعذبين ويشل أيدي الظالمين، في أي زمان وأي مكان، تحدث هذه المظالم وهذه الوحشية؟ وفي ظل أي قانون أو دستور؟ (إنه زمن الضياع) .

شغل كل منا بنفسه وتصوراته، وذكره ودعائه كان البعض ينصتون ويحسبون .. وآخرون يقرؤون ويرتلون .. وآخرون يسبحون .. وأبو بدر ماض في قراءته وترتيله لا يلتفت إلى شيء.

شكا البعض أنهم لا يستطيعون قراءة القرآن الكريم .. في ظل هذه الأجواء المكهربة بالرعب والإرهاق، ونحن لا ندري ما يحدث لنا بعد ساعة .. وأصوات المعذبين التي تذيب القلوب القاسية .. وأصوات الجلادين الكريهة .. وصوت الكرباج المرعب لحن جهنمي لا يكاد ينقطع، ونحن نجلس في سكون، حائرين، مترقبين، خائفين، ساهين، والمتنصتون يؤولون الأصوات .. ويحللون .. ويتصورون ما يحدث وما سيحدث؟ يقولون سيأتي الجلادون .. ويصدقون .. وكل لقاء لنا مع الجلادين حار فعواطفهم الملتهبة تجاهنا يترجمها الكرباج بقوة وشراسة بعد اللسان السليط ..

التفقد

في الساعة الثانية بعد الظهر جاء نفر كبير من الجلادين وأخذوا يدخلون مهاجع الباحة، وكانوا يبقون في المهجع حوالي ربع ساعة حيث تعلو الأصوات ويعلو صراخ المعذبين والجلادين معًا، ثم جاؤوا إلينا ففتحوا الباب وصرخ رئيس المهجع باللازمة المعروفة ودخلوا كالأبالسة هذا يصرخ من هنا وذا من هناك، فما فهمنا إلا أمرًا واحدًا من صراخهم وضربهم وهو أن نصطف اثنين اثنين، فانطلقنا بين الضرب والركل نصطف، وكلما كاد الصف ينتظم بعثره الجلادون، فكان وقتًا عصيبًا رهيبًا حتى جاء الفرج من الله وعدّنا الرقيب على ما يبدو ثم انطلقوا خارجين لم نفهم لهذه العملية معنى سوى أنها نوع من العذاب ولكن أحد المعتقلين وهو عسكري سابق كان قد أمضى مدة من الزمن في سجن تدمر هذا، قال: هذا هو التفقد .. تساءلنا وما هو التفقد؟ قال: كل يوم يأتون في الساعة الثانية حيث يجب أن نكون جميعًا مصطفين اثنين اثنين فيعدنا الرقيب .. تساءل أحد الأخوة قائلًا: ولماذا كل يوم ما دام لا يأتينا جديد، ولا يذهب من عندنا أحد والباب مغلق؟ هل يخافون أن يخترق أحدنا الجدار ويخرج؟

وهكذا كانت أيامنا في سجن تدمر ملأى بالعذاب والقهر والإرهاب، لا يدعنا زبانية السجن نرتاح أو نهدأ، إلا بضع ساعات من الليل، فكنا نطلبها حثيثًا قائلين: أدركنا يا ليل الأمان. كما كان أحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت