فهرس الكتاب
غيهم في ضرب المعتقلين وتعذيبهم، واختلطت أصوات ضرب الكرابيج وصراخ المعذبين وتجديف الزبانية مع أصوات تلاوة آيات القرآن الكريم ومع الآذان المنطلق من مآذن مدينة تدمر، فيا غيرة الله.
تبين لنا أن حفلات العذاب الرهيبة التي كانت تنشط طوال يومي الخميس والجمعة ويوم السبت في بعض الأحيان، ويستمر فيها تعذيب المعتقلين منذ الصباح وحتى المساء، تبين لنا أنها عمليات حلاقة تتم لنزلاء مهاجع سجن تدمر بالتناوب.
رجال الغد
يوم 1/ 10/1980 كنا نسمع في المهجع المجاور عند تقديم الصف وترديد اللازمة صوت غلام صغير دون الخامسة عشرة وهو يصرخ بصوته الرفيع باللازمة انتبه استاعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب، ثم نسمعه يردد وهم خارجون بصوت باك استارح استاعد المهجع انتهى من التفتيش حضرة الرقيب، فيهفو قلبي إلى ضم هذا الغلام إلى صدري وحمايته من كيد هؤلاء الظالمين، كان يثير في قلوبنا الحنان والعطف، وكان الجميع يثيرهم هذا الصوت الرقيق الذي ما كان يجب أن يسمع بسيرة هذا المكان حتى لا تؤذي مشاعرها الرقيقة وأحاسيسه الطفولية البريئة، ولكن الجلادين كانوا يهوون ضرب هؤلاء الأطفال بقسوة وعنف، ويهوون تعذيبهم وتقتيلهم، ففي فترة الحلاقة البارحة كانت هناك أصوات مختلفة تصرخ متألمة شاكية، وكان بينها الصوت الطفولي الرقيق لعله هذا أو غيره فالأطفال هنا كثيرون .. كان الطفل يبكي ويصرخ والجلاد يضربه، وسكت فترة ليعاود الصراخ من جديد ثم يتبعه بعد ذلك صوت طفولي آخر يتوسل إلى الجلاد بلهجة حلبية كنت أحدث نفسي والدموع تنساب من عيني: أي مرارة تزرعونها أيها الظالمون في قلوب هؤلاء الصغار الأبرياء؟ ثم ماذا ستحصدون بعد ذلك .. ؟
يوم 3/ 10/1980
العذاب في سجن تدمر مستمر لا ينقطع، يبدأ منذ الصباح الباكر وربما من الفجر، ويستمر هنا وهناك بصورة أو بأخرى وصوت الكرباج اللعين وصراخ المعذبين وعويلهم لا تغيب عن الأسماع في هذا المكان الرهيب.
وفي الساعة التاسعة من صباح اليوم وبينما كنا نسمع أصوات العذاب ونحن في خوف وألم حصل ما كنا نتوقعه، فقد شعرنا بالزبانية وهم يدخلون باحتنا ويبدؤون بتعذيب نزلاء المهاجع المجاورة، وكانت صورة العذاب اليوم غير ما ألفناه سابقًا في صورة عذاب التنفس والحلاقة أو غيره .. وجاء دورنا أخيرًا بعد أن عشنا مع عذاب إخواننا وقتًا طويلًا، وضرب الجلادون الباب الحديدي ضربة قوية