فهرس الكتاب
إجراءات الإستلام والتسليم، ولنعلم من ثم أنه سجن عسكري ذاك الذي وصلناه .. وأنه لكل المعطيات التي اجتمعت سجن تدمر لا ريب!
لم يطل الأمر بنا لأكثر من ثوان معدودات حينما هجم عناصر الشرطة العسكرية علينا وبدأوا يجذبون كل من تحرر من القيد منا فيركلونه ركلة يجد نفسه من فوره على باب صغير، ينتظره على جانبه شرطي آخر يجذبه بيديه كخروف تعس الحظ ويركله مرة ثانية ليلج الباب. وهناك وما أن دلفتُ حتى استقبلتني لطمة شرطي ثالث حولت وجهي إلى الجدار. وتتابع وصول الإخوة الآخرين إلى الجدار بنفس الطريقة، حتى إذا اكتمل عددنا وانتهت الدفعة أحسسنا ووجوهنا إلى الجدار كلنا أن شخصًا مهمًا قد حضر. ونادى أحدهم وفق الإجراء العسكري المتبع:
حاضر سيدي المساعد.
وانطلق من وراء ظهورنا صوت مساعد السجن أحمد كيساني كما علمنا لاحقًا أو أبو جهل كما سماه السجناء .. انطلق من غير مقدمات يلعن آباءنا وأجدادنا ويَفْجُرُ بحق أمهاتنا وأعراضنا وديننا .. كان مضحكًا مبكيًا أن ينادينا هذا المجرم الوالغ في دماء الأبرياء يقول:
يا خَوَن (أي خونة) .. يا عملاء الصهيونية!
وانطلقت السياط من غير إنذار تسلخ جلودنا المكشوفة لهم، فإذا صاح واحدنا أو تأوه ضاعفوا عليه العذاب. لكن حفلة التعارف ما كانت لتبدأ من قبل أن نتلقى أصول الإتيكيت السائد! ولم ألبث أن طرق سمعي صيحة أبي جهل هذا ينادي عساكره:
أحضروا هذا العرص أبو الجينز.
وكنت وقت اعتقالي ألبس بنطال جينز قدرًا، فكأنما وجده نقطة علام تساعده على أداء مهمته. وجذبتني الأيدي كملاقط الحديد ورمتني أمام سيادة المساعد، فلما رفعت عيني إليه أريد أن أستطلع الخبر صاح بي ملء صوته:
غمض عينيك ولا.
وهجم عناصر الشرطة علي فبطحوني أرضًا يركلونني ويجلدونني من كل اتجاه. وأتتني وسط هذه العاصفة لسعة كرباج على عيني رأيت الشرر والله خرج منها! وأدركت لاحقًا أن هذا الذي أصابني كان مجرد درس تعليمي لنا وحسب! فالقوانين هنا في سجن تدمر العسكري غيرها في أقبية المخابرات بدمشق. وإذا كانت التعليمات تقتضي هناك أن تبقى عيوننا معصوبة مطمشة على الدوام حتى لا نرى أحدًا من المحققين أو الجلادين، فإنها هنا توجب علينا أن نكشف عيوننا وأن نمتنع رغم ذلك عن رؤية أي أحد منهم! ولو نزلت على واحدنا كبلات الأرض أو قطعت لحمه السياط فالواجب المحتم عليه أن يبقى مغمض العينين!