فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 711

الذاتية

وتوقف الضرب فجأة بإشارة من أبي جهل، وأتاني صوته القبيح:

راسك بالأرض ولا وغمض عينيك.

وساد المكان سكون رعيب لبرهة من زمن. فلما أدرك أن الدرس الأول وصل المجموعة كلها صاح من جديد:

قل حاضر سيدي ولا.

قلت ورأسي في الأرض وعيناي مغمضتان: حاضر سيدي.

قال: كم عملية إنت عامل ولا عرص؟

قلت: ولا عملية سيدي.

قال وكأنني أنا الذي أشتمه: ولا عرص .. بتكذب؟

وانهالت الكبلات والسياط علي من جديد. وجعلت أتلوى على الأرض كالذبيحة لا أدري أين المفر. والإخوة وجوههم كلهم إلى الجدار وصياحي وعواء الشرطة من حولهم وحولي يفتت أعصابهم ويفري قلوبهم. ولم يلبث الدور أن تحول ونادى أبو جهل من جديد:

واحد واحد من هون يا خَوَن اطلعوا لبرة.

وساقتنا اللطمات والكرابيج من جديد إلى باحة أخرى تتصدرها غرفة الذاتية، أجلسونا خمسة خمسة أمامها وبدأوا يدخلوننا واحدًا تلو الآخر إليها، والشرطة خلفنا يركلوننا بأرجلهم أو يصفعون رؤوسنا بأيديهم ويلسعون ظهورنا بالكرابيج والكبلات وهم لا يكفون عن شتمنا وتوعدنا وتهديدنا:

هلق بنفرجيكم يا خَوَن .. هلق بس تخلصو يا ويلكم .. والله لنعمل ... بأمهاتكم واخواتكم .. والله الموت مصيركم يا ..

ولم يكن الزبانية كاذبون في ذلك، فلقد اعتادوا قتل الناس بأنفسهم وفعلوا ذلك مرات لا تعد. ووفوا وعدهم في المستقبل وأزهقوا من أرواح الإخوة من نفس الدفعة عددًا ربما فاق من بقي منهم على الحياة!

التعليم!

لم يكن الفجر قد طلع بعد، والبرودة التي أطبقت علينا من كل اتجاه ونحن في ملابسنا الصيفية الخفيفة التي اعتقلنا بها زادت عليها برودة الإسمنت الذي أجلسونا فوقه ننتظر أن نلج غرفة الذاتية تلك. فلما حان دوري وقد كدت أتجمد رغم السياط التي أصابتني دخلت فوجدتهم يسألونني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت