فهرس الكتاب
وحدثني بعضهم عما جرى معهم فقال: أخذنا تحت الضرب إلى باحة المكاتب ونحن منكسو الرؤوس حسب العادة، وهناك في طرف تلك الباحة وجدنا عددًا كبيرًا من المعتقلين قد جيء بهم قبلنا، كانوا يجلسون على الأرض منكسي الرؤوس جميعًا دون أي حركة أو صوت، فضمونا إليهم ثم جيء بآخرين وآخرين حتى تجمع عدد كبير يقدر بحوالي (300) معتقل وكان عدد كبير من الجلادين يطوفون حولنا ويضربوننا، وبدأت المحاكمات في التاسعة فأخذوا ينادون على اسم المعتقل فيقوم إليهم فيضربونه بالكرباج ويصرخون فيه ويسبونه ويقودونه إلى غرفة المحكمة ويتلقاه على الباب جلاد عنيف معه كرباج ثقيل فيضربه على أم رأسه ويدخله على القاضي، حيث يسأله بضعة أسئلة ثم يطرده فيخرجه الجلادون ويضربونه ويعيدونه إلى مكانه.
توقفت المحاكمات في الساعة الواحدة والنصف للغداء، حيث يتغدى القاضي على ما يبدو، وعاد إلى العمل في الساعة الرابعة تقريبًا ونحن لا نزال جلوسًا في أماكننا دون أي حركة تحت حر الشمس اللاهبة، وقد تجمدت أطرافنا وتجمدت مفاصلنا وتصلبت رقابنا فكانت هذه الجلسة من أشد العذاب علينا.
كان كثير منا متضايقين يريدون الخروج إلى الخلاء، وقد تجاسر أحد الأخوة المعتقلين فرفع يده وطلب أن يسمح له بالذهاب إلى الخلاء فرفض طلبه وسبه الجلادون وشتموه وضربوه، وتجرأ آخرون وقد ضاق بهم الحال وصعب عليهم الصبر فرفعوا أيديهم وطلبوا أن يسمح لهم بالذهاب إلى الخلاء (المرحاض) لقضاء الحاجة فرفض طلبهم وانقض بعض الجلادين عليهم يضربونهم ويسبونهم.
وطلب أحد الأخوة للمحكمة وكان في أشد الضيق وهو مصاب بالإسهال الشديد، فلم يتمالك خلال وجوده في المحكمة فتبرز في ثيابه ولوّث قاعة المحكمة، فثار عليه القاضي والجلادون وانهالوا عليه ضربًا وأخرجوه من قاعة المحكمة حيث أخذ إلى مكان ما .. حينذاك اضطر الزبانية لمعالجة الوضع، فأظهروا أنهم يريدون أخذ المتضايقين إلى المراحيض فقام عدد بسيط (50) شخصًا والواقع أن الكل متضايقون فأوقفوهم في صف طويل، وأخذ عدد من الجلادين يضربونهم في حمية وحقد، ومن أسعده الحظ بدخول المرحاض متحملًا أذاهم قبل الدخول وبعده منعوه أن يقضي حاجته مستريحًا وأجبروه على الخروج بعد دقيقة واحدة فقط .. ورد قسم من هؤلاء الواقفين دون أن يسمح لهم بدخول المراحيض.
قال محدثي: وكنت في أشد الضيق ولكن ما رأيت من عذاب وإهانة جعلني أصبر وأحتمل، مفضلًا آلامي على أذاهم وبغيهم، يقول: وبقينا كذلك في مثل هذا الحال دون أي راحة ودون أي طعام أو شراب حتى رجعنا ومع ذلك فإن كثيرين لم يحاكموا أيضًا ونحن منهم.