فهرس الكتاب
جفلت قلوبنا لهول الأمر، وشعرنا أننا في قبضة مجنون لئيم لا يرعى حقًا ولا عهدًا ولا قانونًا ولا دستورًا، ليس في قلبه ذرة خير ولا إنسانية ولا شرف ولا مروءة ولا رجولة، يقتل الأبرياء ظلمًا ويسفك الدماء جزافًا بلا حساب ولا تقدير .. ولا .. ولا .. اقتربت خطاهم من باب مهجعنا وصرخ أحد الزبانية: مهجع (27) ولك، فرد رئيس المهجع حاضر سيدي. فقال: استيقاظ ولك حقيرين .. فصرخ رئيس المهجع يطلب منا الاستيقاظ، فالاستيقاظ ممنوع في نظام السجن قبل السادسة، فجلسنا وقدم رئيس المهجع الصف فورًا: انتبه استاعد، المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب ..
ووقفنا باستعداد مطرقي الرؤوس، وصرخ الرقيب من نافذة الباب الصغيرة، (ولك كل واحد بيطلع اسمو يقول حاضر، ويأتي فورًا لعند الباب .. ) ثم أخذ يقرأ القائمة الطويلة، ولا شك أنها قد نقصت إلى النصف بل إلى الثلثين قبل أن تصل إلى مهجعنا، لأنها قد مرّت قبله بعشرين مهجعًا على الأقل ولم يبق إلا مهاجع معدودة .. ثمانية تقريبًا .. واندفع أخ وقد صرخ باسمه يجيب حاضر، اتجه نحو ناحية الباب فورًا، فسأله الرقيب عن اسمه واسم والده ووالدته وتولده .. وأمره بالوقوف قرب الباب وتابع الرقيب القراءة، وخرجت أسماء خمسة أخوة آخرين من مهجعنا فوقفوا رتلًا أمام الباب، وكانوا جميعًا من الشباب الصغار من سن الـ (18) عامًا ولما انتهى الرقيب من القائمة وقد قدر عدد الأسماء فيها بحوالي الثلاثين اسمًا قال لهؤلاء الأخوة: حضروا أغراضكم انتو مطلوبين محاكم .. ؟
وذهب الرقيب إلى المهجعين المجاورين ليقرأ قائمة الأسماء عليهما وترك هؤلاء الشباب أماكنهم أمام الباب إلى داخل المهجع، وكانت فرصة لم نحظ بها قبلًا لتوديع إخواننا، فقد كانوا يطلبون الإخوة ويأخذونهم فورًا، أو كنا لا نعلم شيئًا عن المصير كما حدث في أول مرة.
واندفع الأخوة يعانقون هؤلاء الشباب ويقبلونهم، وقد اضطرمت المشاعر في الصدور، فكان الجميع في حالة لا يعلمها إلا الله، من القهر والألم والحزن، لا يدري أحد ماذا يقول وتنهمل الدموع على الوجوه، وتأخذ الغصات بالحلوق، تكاد تمزق الحناجر، يقول بعضهم: الله معكم، والبعض الآخر: توكلوا على الله.
وكان كثيرون يعانقونهم ويقبلونهم ثم يوارون وجوههم عنهم ويجهشوا في بكاء شديد.
كان الأخ (بكري فتحي نحاس) شابًا طويلًا رقيقًا لم ينبت الشعر في وجهه بعد، وقد حفظ تسعة وعشرين جزءًا من القرآن الكريم أبعد المتزاحمين حوله وقال: يا أخوة لا يقبلني أحد .. ولما رأى تكاثر الأخوة حوله وشديد حزنهم وألمهم عليه وعلى رفاقه، أخذته غضبة فاندفع يقول بشدة: (مالكم؟ لم أنتم حزينون؟ لا تحزنوا نحن ذاهبون إلى رب كريم، أما أننا قد شبعنا من طعامكم هذا من البرغل والرز والصمون، تركنا لكم هذا كله، إنّا مشتاقون إلى ربنا ولسنا آسفين على دنياكم هذه، فلم الحزن .. ) .