فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 711

وانطلق باسمًا عريض الابتسامة، فوزع ما لديه من متاع قليل، ونزع ما عليه من ثياب جديدة، ولبس ثيابًا خلِقة وهو يقول: الحي أولى بالجديد من الميت، ونزع ساعته وحزامه فأعطاهما لإخوانه وسارع يتوضأ هو وإخوانه المطلوبين للإعدام، ثم صلى كل واحد منهم ركعتين (ركعتي الشهادة) آخر ركعتين من الدنيا، وجاء الرقيب يفتح الباب، وقدم رئيس المهجع الصف وطلبهم الرقيب فجاؤوا سراعًا لا يترددون، وطلب منشفة من كل واحد منهم وعصب عيونهم بها ثم أخرجوا من المهجع.

كنا نودعهم بقلوبنا ونخاطبهم بأفكارنا، ونتمنى أن نفديهم بأرواحنا .. كم نحن في شوق إلى الجهاد، إلى جهاد هؤلاء الظالمين المجرمين، نقول قد وضح الطريق، فالظلم كبير والظالمون فاجرون كافرون، قد انتهكوا كل حرمة وداسوا كل مقدس، ولم يلتفتوا إلى أي قيمة أو خلق أو مبدأ، فجهادهم هو الجهاد الفرض على كل مسلم، بل على كل إنسان حي الضمير، فيه شرف وفيه مروءة وفيه إنسانية، فالظلم تأباه النفوس، ومن الإنسانية أن يتألم الإنسان للظلم، يمارس على إخوانه وبني جنسه، وأن يسعى للإحقاق الحق ورفع راية العدل والإنصاف والرحمة.

كان مسئولو السجن يتخذون إجراءات عديدة مشددة للتكتم على موضوع الإعدامات خاصة، وعلى كل أخبار سجن تدمر عامة، ويظنون أننا لا نعرف عن الإعدامات شيئًا فقد منع الرقيب خلال إدخال الفطور في الساعة السادسة والنصف، منع السخرة من الخروج لإدخال الطعام أمام باب المهجع، وصرخ فيهم: لا حدا يطلع ولك ..

وقام أحد عناصر البلدية بإدخال طعام الفطور، وتبين لهم أنهم قد وضعوا على النافذة الصغيرة الموجودة في الباب قطعة (كرتون) كبيرة تمنع النظر من خلالها.

وأوّلت هذه الإجراءات بأنهم قد نصبوا المشانق في الساحة (فهم لا يريدون أن نراها) لكي لا نعرف أن في سجن تدمر إعدامات بالجملة، وموت بالمفرق، ولم يدركوا أننا نحس بالأمر وأننا قد وعيناه تمامًا وأدركنا صورته وأبعاده. وجاءت دورية من فوق السطح وصرخ أحدهم فينا: (ولك حقراء .. لجوا .. بعدوا عن الباب ولك لجوا يا كلاب يا أنذال يا .. ) فلما ابتعدنا إلى منتصف المهجع وتجمعنا في النصف الداخلي، أمرنا بالجلوس وهو يصرخ (جالسًا ولك .. ما حدا بيوقف أبدًا) وجلسنا متقاربين متراصين واجمين، فقد كنا نعلم أن معنى ذلك أن عملية الإعدام على وشك أن تتم، ومضت الدقائق ثقيلة بطيئة والكل مطرق متحير محزون مقهور، وبدا السجن هادئًا على غير العادة، هادئًا هدوءًا مريبًا، فلا تسمع أي صوت فلا أبواب تفتح، ولا جلادون يصرخون أو يسبون ويشتمون، حتى ولا صوت بلدية ممن يعملون في جلي الطشوت أو إفراغ أوعية القمامة إلا حركة يسيرة كسير أحدهم مسرعًا في طرف الباحة البعيد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت