فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 711

كانت الساعة تشير إلى التاسعة إلا ربعًا، الجو مشمس والهواء ضعيف، والعصافير تغدو وتروح وأصوات بعيدة تأتي من المدينة تبدو واضحة، صوت سيارة مارة، نهيق حمار، نداء طفل.

وشق السكوت صوت جلي يصرخ بقوة وسرعة: الله أكبر وكأنه يستبق الزمن، تحفزت الأعصاب وأرهفت الآذان، وانقطعت كل نأمة في المهجع جميعه، وبدا الجميع مطرقين واجمين كأن على رؤوسهم الطير ولم نسمع إلا صوت نسمات الهواء الخفيفة وحفيفها، وشقّ السكون صوت آخر أقوى وأوضح صكّ أسماعنا وقرع قلوبنا: الله أكبر .. وأعقبه شخير حاد، وتتالى النداء العظيم: الله أكبر، الله أكبر .. الله أكبر .. يتبع بعضها حشرجات النزع والحبل يشتد على العنق، وكانت كلمة الله أكبر تخرج مقطوعة بعض الأحيان حيث تعاجل الحبلة المسكين وتقطع عليه نداءه فيخرج مبتورًا .. الله أكبر .. وتسرع الحشرجات.

أي مشاعر كانت تصطرع في الصدور، وأي قهر، والكل مطرق ساهم يدعو ويضرع إلى الله السميع البصير أن لا تضيع هذه الدماء هدرًا .. والقلب يندب العدالة بين البشر ويسخر من هذه الحياة الزائلة ومن أتباعها، وينعي على القاعدين السادرين في غيهم.

وبعد مضي ساعة ونصف تقريبًا عاد السكون يخيم من جديد، كان آخر شيء سمعناه هدير محرك السيارة وهي تنطلق وصوت أخشاب تلقى.

فسرت هذه الأصوات بأنها صوت الشاحنة التي تنقل جثث الشهداء إلى مثواهم الأخير في صحراء تدمر، حيث يلقون في حفرة كبيرة ويهيل عليهم (بلدوزر) التراب وينتهي الأمر، أما الأخشاب فإنها خشبات المشانق تعاد إلى مستودعها بعد أن أدت مهمتها في انتظار مهمة جديدة

15 كانون أول 1981

عمليات الإعدام مستمرة بمعدل مرتين كل أسبوع، فنحن دائمًا على صلة بالموت والآخرة، وأصبحت رحلة الموت شيئًا قريبًا سهلًا وكأنها انتقال من مهجع إلى آخر، أو من سجن إلى الحرية ومن الخوف إلى الأمان، وكانت الدنيا هينة جدًا على قلوبنا جميعًا لما نعانيه من ظلم ومن قهر ومن عذاب، فكانت عمليات الإعدام فرصة للخلاص، ولكن أعمالنا كانت بسيطة وذنوبنا كبيرة حتى تساءل الكثيرون هل هذه شهادة في سبيل الله؟ .. ولكن آمالنا في رحمة الله الواسعة وكرمه العظيم كانت عظيمة، وشوقنا إلى عدالة السماء كان شديدًا، وكل الأمل أن يرزقنا الله فيما بقي لنا من حياة أن نجاهد هؤلاء الظالمين ونقاتلهم في معارك فاصلة ينصر الله فيها من يشاء، ويخذل من يشاء والله على كل شيء قدير. وأن نموت شهداء في ميدان الجهاد، ونحن أعزاء نحمل سلاحنا ونقاتل عدونا والأمر لله من قبل ومن بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت