فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 711

وكان الإخوة يتناولون طعام الإفطار والساعة تشير إلى السابعة صباحًا حين نودي في المهاجع البعيدة على بعض الأسماء وهذا في حد ذاته أمر غريب، ففي هذا الوقت أو ما قبله إنما ينادى على أسماء المعدمين .. فوقفنا وجلين وتنصتنا حذرين، فإذا بعض الأسماء تعرف من قبل بعض الإخوة المعتقلين وأن أصحابها ممن حكم القاضي ببراءتهم منذ زمن بعيد ... ؟ إذًا ما الهدف من طلب جهاز السجن لهؤلاء ... ؟ لعله الإفراج!! ...

وتحفز الإخوة في المهجع وجاء الرقيب إلى باب مهجعنا ونادي بعض الأسماء، ونشط المهجع يريد أن يودعهم فرحًا لإفراج طال انتظاره حتى لمن حكموا بالبراءة من قبل القضاة الجلادين.

ونودي على اسمي فجأة لم أكد أصدق أذني فأسرعت بالإجابة - حاضر- وأسرعت إلى الباب فتثبت الرقيب من اسمي وأمر من نودي باسمه أن يجهزوا أنفسهم ولم يقل شيئًا. فأسرعت إلى مكاني جاء الإخوة يعانقونني ويودعونني: لا تنسنا أبا محمد، وقال أبو أنس: ادع لنا يا أبا محمد إنه يعني ما يقول.

وكيف أدعو لكم يا أبا أنس فهذه: الكلمات هي الدعاء وهي النداء وهي البيان: فلعل هذه الكلمات تكون دافعًا لكرة الظلم والظالمين بما تصف وتكشف من بغي وجور وظلم وظلام. ولعل هذه الكلمات تثير في الإنسان روحه الإنسانية ونفسه الخيرة وشهامته ومروءته، فيكون من مبعد ذلك مندفعًا إلى كل خير مندفعًا إلى خير نفسه ومجتمعه وبين جنسه، أما الكافرون بالحق والدين فلن تزيدهم هذه إلا فجورًا وضلالًا وعمي (فمثلهم كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) .

جمع عدد من المحكومين بالبراءة من مختلف المهاجع وساقونا إلى باحة المكاتب فأجلسونا في طرف منها، وأخذ كاتب هناك يتحقق من أسمائنا وأرسل في طلب من لم يحضره السجانون من المعتقلين، ثم أدخلنا الغرفة المشؤومة غرفة الانتظار قرب المدخل. فإذا هي قد طليت بدهان زيتي أبيض يخفي تحته سوادًا وأوساخًا وآلامًا، وها هي الجدران الحجرية مشوهة غير مستقيمة تشي بأنها طليت طلاء زائفًا، من هنا مررت منذ عامين .. عامين من العذاب والقهر والآلام والموت .. عامين لم أمت فيهما لأنه لم ينته أجلي، وها أنا ذا شبح إنسان أنهكني المرض والنحافة والجرب والسعال والتهاب الرئتين الشديد والتهاب الكلي والبيلة الدموية، والحمد لله على كل حال ونعوذ بالله من حال أهل النار، إن لله في رقابنا عهودًا قطعناه ولن نخونها: أن نكون لله عاملين وعلى دينه مستقيمين ولنبيه متبعين مقتدين لا نمالئ الظالمين المجرمين، نحارب الظلم والظالمين، نجاهد في الله حتى يأتينا اليقين شهداء، إن شاء الله رب العالمين.

خرجنا من باب سجن تدمر الكالح وتسلمنا عناصر المخابرات ونقلونا بسيارات مغلقة كل معتقل إلى المحافظة التي اعتقل فيها، وبعد بضعة أيام في زنزانة المخابرات جاء خلالها زبانية المخابرات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت