فهرس الكتاب
فالسلطة الباغية تأخذ الناس بالشبهات، ومن يعتقل لا يعلم أحد إلا الله بمصيره، دوريات المخابرات الراجلة والمحمولة موجودة في كل مكان، والحواجز الثابتة والطيارة تحيط المدن، وتنتشر بداخلها، الناس يعيشون بهاجس دائم، فشبح المخابرات، والاعتقال، وأعمال القتل، والمداهمات تسيطر على الجميع.
وسط هذا الجو المشحون بالخوف والرعب يفكر الإنسان فلا يرى طريقًا للخلاص إلا الفرار بدينه أو الالتحاق بالمجاهدين، حتى لا يقع رخيصًا بأيدي الظالمين كنت مثل غيري من الناس أعيش بوساوس وهواجس لا تفارقني في ليل أو نهار وأدعوا الله وأرجوه أن يعمي أبصار الظالمين عنا فلا ينالنا منهم شر. ولكن لا أحد يعلم ما تخبئه الأقدار وماذا ينتظرنا في مستقبل الأيام. وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ لقمان34، وفجأة وقع المحذور عندما جاءت دورية المخابرات لمنزلنا قبل آذان الفجر، واقتحموا المنزل دون أي إنذار، فلم أجدهم إلا فوق رأسي، لقد اندفع أولئك الأوغاد داخل البيت، وباشروا بالتفتيش، استيقظت من نومي، فطلبوا مني رفع يدي مستسلمًا، ثم فتشوا جميع الغرف جيدا، لعلهم يعثرون على كنز ثمين، لكن الله سلم لقد كنت في غاية الحذر؛ فقد عمدت إلى إتلاف كل ما من شأنه أن يجر علينا أو على غيرنا البلاء، وأخفيت جميع كتبي الإسلامية، كما أتلفت جميع الرسائل والصور وبطاقات التهاني، وأخفيت أشرطة التسجيل المتعلقة بالمجاهدين، ولم أترك أي شيء يثير الشبهة، أو يمكن أن يكون ممسكًا له دلالته عند أجهزة القمع.
بعد أن أنهوا التفتيش، طلبوا مني الخروج، وهكذا قادوني معهم. في هذه الأثناء أخذت تدور برأسي الكثير من الأفكار المختلفة والمتناقضة، وعبثًا حاولت إقناع نفسي أن فترة الاعتقال لن تدوم طويلا، ربما عدة أيام أعود بعدها إلى البيت، كما حصل مع بعض الناس. أليس كذلك؟ فأنا لا علاقة لي بالمجاهدين، وربما كان الأمر لا يعدو كونه تقريرا لأحد المخبرين. نعم إذا كان همّ السلطة اعتقال الناس كيفما اتفق، فالشوارع مليئة بالناس ... ألا يستطيعون أن يفعلوا ذلك؟ ماذا يستفيدون لو فعلوه؟ وأخيرا سلمت أمري لله، وباشرت بقراءتي سورتي يس والواقعة، وتوجهت إلى الله بالدعاء، سائلًا إياه السلامة.
لقد أجلستُ بمقعد السيارة الخلفي، وجلس عن يميني ويساري اثنان من عناصر المخابرات، يحملان بنادقهما بينما جلس بالمقعد الأمامي السائق مع رئيس الدورية، وانطلقت سيارتنا بالمقدمة، ترافقها سيارة جيب، تحمل خمسة عناصر آخرين تمنيت أن تطول الرحلة فلا نصل إلى فرع المخابرات، أو نصطدم بسيارة أخرى فيموت الجميع، ولكن هيهات؟؟ هيهات؟؟
ما كل ما يتمناه المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن