فهرس الكتاب
هاهي ذي القافلة تصل إلى فرع المخابرات الذي طالما سمعنا به والذي بات اسمه يثير الرعب والخوف في نفوس الناس، فكيف بمن يدخل ذلك المكان اللعين كمعتقل؟ عند ذلك توجهت إلى الله بالدعاء: (اللهم إني أعوذ بك من شر هذا المكان وشر ما فيه ومن فيه) .
التحقيق
وصلت القافلة إلى فرع المخابرات الذي أحيط من جميع جوانبه بالحراسة المشددة، وأقيمت المتاريس والحواجز الإسمنتية، وتحصن الجنود خلف أكياس الرمل، وكأنهم في خط الدفاع الأول في الجبهة: نعم، لقد أصبحت الجبهة بالنسبة للنظام هذه الأيام هنا داخل البلاد وأصبح الشعب عدوا لذلك النظام، وما على السلطة الباغية إلا أن تعد للأمر عدته.
دخلت القافلة ذلك المكان المشؤوم، وهناك وقعت الطامة الكبرى، إذ ما إن نزلت السيارة حتى انهالت علي اللكمات، وأصبت بالذهول لهول المفاجأة، وطلبوا مني الوقوف جانبا متوجها للحائط. في هذه الأثناء، جاءني أحد العناصر يفتشني، متحسسا أماكن الجيوب ... لقد سالت الدماء من أنفي وأسناني نتيجة الضرب، ومن الغرفة المجاورة كنت أسمع صوت أحد المعتقلين يصرخ ويستغيث من شدة التعذيب، بقيت على هذه الحالة مدة من الزمن، واقترب مني أحد الضباط، وسألني عن اسمي قائلا: (شو اسمك ولك حقير) فأعطيته اسمي، فنادى عناصره الذين أحضروا الغمامات (1) . فوضعوها على عيني وجاءوا بالقيود الحديدية التي قيدوا بها يدي، وأدخلوني لإحدى الغرف وانصرفوا.
أنا الآن في غرفة التحقيق التي طالما سمعنا عنها هناك في الخارج، بادرني المحقق بالسؤال عن اسمي وعنواني ومهنتي وأفراد أسرتي، ثم انتقل بعد ذلك بسرعة سؤالي، فقال لي: (إيه يا فلان أنت إنسان بتفهم وأنت إنسان عاقل ومحترم وأعتقد أنك لن تحيج نفسك للإهانة ولن تحيجنا لتعذيبك) .
فأجبته: كما تريد ... قال لي: إذا عليك أن تخبرنا عن كل ما تعرفه عن أبي فلان وعلاقتك به، فسألته: من هو ابن فلان، قال لي: يبدو أن المعاملة الحسنة لن تجدي معك، فنادى كلابه، وطلب مني إخراجي من الغرفة قائلًا: خذوه.
لم أسمع أي كلمة أخرى، ولا أعلم إن قد أشار عليهم بشيء آخر. المهم: أمسكني أحدهم من رقبتي، كما تمسك الشاة التي تؤخذ للذبح، وأخرجني لغرفة أخرى في الجهة المقابلة، ورفعوا الغمامات عن وجهي ... نظرت حولي ويا لهول ما رأيت!!! رأيت أحد المعتقلين قد عري من ملابسه ما عدا السروال الداخلي، قد افترش الأرض وجلده متصبغ باللون الأسود، الجروح والقروح ملأت جسمه حتى ظهر العظم من بعض الأماكن، والدم ينزف من جروحه، وربما كان في حالة غيبوبة، ولم