فهرس الكتاب
1980 فخرجنا يوم 13 تشرين الثاني للتنفس، فلم يتعرض أحد منا للضرب، على غير عادة أو عرف، ويومها دخل المساعد أبو جهل للمهجع، وتكلم معنا بطريقة تختلف عما سبق، إذ أظهر حرصه علينا، وطالبنا بالمحافظة على النظافة والنظام، حتى لا نسبب لأنفسنا التعذيب والإهانة. وقال: إنه قد رفع العقوبة عنا!! وأضاف: (وأنتم تعلمون ماذا يعني أن تحيجوا أنفسكم للأذى) ! نعم لقد كان ذلك التعذيب الذي تعرضنا له عقوبة لنا لعدم محافظتنا على نظام السجن!!! ياللسخرية، إذا لم تستح فاصنع ما شئت والكفر ما بعده ذنب!!
وفي تلك الأثناء التزمت إدارة السجن بتنفيذ هذا الأمر (وقف التعذيب) وعرفناه من الإخوة الجدد، لأن حفلة الاستقبال لم تكن بتلك الصورة البشعة التي عرفناها قبلهم، ورميت السياط على الأرض، فصرنا ندوس عليها، وبدأ الجلادون يحضرون للباحات بدونها، وضباط السجن (المدير ومساعده وكان برتبة نقيب) يتجولون فوق الأسطحة، وإذا شاهدوا أحد كلابهم يحمل سوطًا سلقوه بألسنة حِداد ومهدد ينه ومتوعدينه، فالأمر عندهم يجب أن يطاع وينفذ بحذافيره، وكما ورد في أسس النظام العسكري التي يتعلمها كل من يدخل الجيش وتوابعه .... وبدأت إدارة السجن بمعالجة داء الجرب الذي استفحل واستشرى بين السجناء، وصرنا نذهب للحلاقة دون التعرض للضرب وتم فرز الأحداث وتجميعهم في مهاجع مستقلة عن مهجع الكبار.
واختلف الإخوة في تفسير تلك الظاهرة العابرة التي لم تدم سوى عدة أسابيع فقط، فبعضهم عزا ذلك لوجود احتجاج شديدة داخل البلاد وخارجها، لتسرب أخبار التعذيب في سجن تدمر إلى الخارج، وهذا أمر وارد، فالمحيطون بالسجن من سكان المدينة يمكنهم سماع صراخ المعذبين، ولسع السياط طوال النهار، كما كنا نسمع أصوات الناس خارج أسوار السجن، وكذلك الآذان.
وآخرون أعادوا السبب لبدء انفراج (حلحلة المشكلة) حسب تعبير بعض الإخوة، نتيجة لوجود مفاوضات بين قيادة الإخوان والسلطة.
وآخرون أرجعوه لتوسط بعض أزلام السلطة ومطالبهم بذلك، حفاظًا على سمعة البلاد، مع النظر البعيد في المستقبل لمصير الطائفة النصيرية، وهم يعيشون في بحر من الناقمين على ظلمهم وفجورهم، كنا نعيش في عزلة تامة عن العالم الخارجي، فليس لدينا أية معلومات تساعدنا على تحليل ما يجري حولنا، إضافة إلى الجو الرهيب الذي نحن فيه، والذي يجعل الإنسان عاجزًا عن التفكير بصورة صحيحة، فالخوف يسلب من الإنسان لبه.
وكذلك الطوباوية (المثالية والخيالية المفرطة) عند أكثرنا، فقلما نتعامل مع الأحداث والوقائع بتعقل ومنطقية، فالعفوية والارتجال هما السمة الغالبة على أكثرنا، وعلى أية حال فقد تكون تلك الأمور أسبابًا وراء وقف التعذيب، أو حصل منها شيء أدى لذلك، ولكن الذين يعرفون طبيعة النظام