فهرس الكتاب
الطائفي البغيض، يدركون أن ما ذكرناه من أسباب لن تؤثر بشكل من الأشكال ولا بحال من الأحوال على طبيعته وتصرفاته القمعية، فالطغاة جميعا، والنصيريون منهم بوجه خاص، فقدوا الحياء تماما، فهم يفعلون ما يشاءون، دون التفات لأي اعتبار، والاعتبارات الوحيدة التي تعيرها الطغمة الفاسدة اهتمامها، هي الأسباب الأمنية أي أن التعذيب قد أوقف لاعتبارات أمنية فقط، فما هي تلك الاعتبارات؟
إن المخابرات كانت وراء وقف التعذيب، وعرفنا ذلك من الإخوة الذين أعيدوا للتحقيق في تلك الفترة، فكان ضباط المخابرات يسألونهم عن المعاملة في سجن تدمر، ويؤكدون بأنهم طلبوا وقف التعذيب من الجلادين الصغار، وسبب ذلك (والله أعلم) هو استشهاد عدد من الأخوة نتيجة التعذيب، فقد استطعنا أن نحصي سبعة منهم، والعدد الحقيقي أكبر من ذلك، وربما يكون بعض الأخوة الذين استشهدوا في تلك الأثناء قد احتاجت إليهم المخابرات لتحقيق جديد، لاكتشاف أشياء جديدة أثناء التحقيق مع أشخاص اعتقلوا بعدهم، فأدلوا بمعلومات حول الأخ، وأنه قد قام بتنظيمه حزبيا، أو كانت بينهما علاقة تنظيمية، أو حول أمور أخرى تمس الشهداء مباشرة، وإلا فالمخابرات على علم بكل ظروف التعذيب الموجودة في سجن تدمر، إذ توجد مفرزة تابعة للمخابرات العسكرية هناك بصورة دائمة، وعلمت المخابرات بالأخوة الذين استشهدوا، لأن إدارة السجن تعيد أولئك الأشخاص إلى الفروع التي اعتقلتهم، فالمخابرات مسؤولة أولا وأخيرا عن السجناء الموجودين في سجن تدمر الذي يعتبر مستودعًا لتجميع السجناء المضطهدين فحسب، ومع ذلك، فإن المخابرات لم تطلب وقف التعذيب إلا عندما شعروا بخطأ هذا التصرف وضرره من الناحية الأمنية، فاستشهاد أولئك الإخوة أدى لضياع بعض المعلومات التي يمكن أن تفيد النظام ... لابد إذن أنهم يريدون تصفية المعتقلين في سجن تدمر ..
وقد أطلقوا عليه اسم مركز التطهير الوطني لتصفية الإخوان المسلمين، سواء تمت هذه التصفية بالتعذيب أو بواسطة محاكم التفتيش الوحشية، فكلاهما سيان، لكن المهم أن يموت المعتقل بعد أن يفرغ كل ما في جعبته من معلومات يجب أن يعرفوها، لكن أن يموت قبل ذلك وعلى أيديهم، فهذا ما لا ينبغي أن يتم أبدًا؟! وغالبًا ما تكون الشهور الستة الأولى من الاعتقال كافية لكشف كل ما لدى المعتقل، وفي حالة عجز المخابرات عن اكتشاف جديد في تلك الفترة، فلن يكشفوا شيئًا بعدها على الأغلب، لانقطاع خيوط الارتباط بين الأشخاص والأحداث، لذلك كان الطغاة يتصرفون على ضوء القاعدة التالية: يتم اعتقال الشخص ويحقق معه ثم يودع السجن لأمد من زمان احترازيًا، ويعرض بعد ذلك على المحكمة الميدانية ليؤخذ للمقصلة بعد أن اطمأنوا أنه قد أفضى بكل ما عنده، أو أصبح من المستحيل كشفها (ألا ساء ما يحكمون) .