فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 711

ورغم ذلك، تقع في كثير من الأحيان الأخطاء، ومنها تعرض بعض المعتقلين للتعذيب الشديد ولفترة طويلة، مما يفقدهم القدرة على المحاكمة العقلية، فيصابون بالانهيار النفسي والعقلي، فيرمون التهم جزافًا، ويعترفون على أشخاص لا تربطهم بهم أية علاقة تنظيمية، سوى أنهم يحفظون أسماءهم بسبب الجوار أو ما شابهه، وتقوم المخابرات باعتقال الذين وردت أسماؤهم للتحقيق معهم، وبما أنهم أبرياء لا يعرفون شيئًا، فإنهم يتعرضون لتعذيب شديد، ربما أدى لانهيارهم واعترافهم بأمور لا علاقة لهم بها، ويعترفون على آخرين، وهكذا، ليدخل التحقيق حلقة مفرغة، مما يضطرهم لإغلاق ملفه، لاكتشاف وقوعهم في التضليل، تاركين الأمور معلقة للمحكمة الميدانية لتبت فيها، وقد يذكر المحققون رأيهم، كأن يدونوا في محضر التحقيق أن فلانا قد اعترف على هذا المعتقل كيت وكيت، وعند التحقيق معه لم تثبت التهمة، وقد نفى المعتقل ذلك. وربما أكدوا أن الشخص قد اعترف عاد ونفى التهمة التي نسبها إليه، وأقر أنه اضطر لذلك ليتخلص من التعذيب. ولا ننكر الحالات النادرة التي برأت المحكمة الميدانية فيها بعض الذين اعتقلوا بهذه الصورة، ولكن في أكثر الحالات يقوم القاضي بإعادة التحقيق مع المعتقلين ليلصق بهم التهم التي يريدها، خاصة إذا كان السجين عسكريًا، أو له علاقة بأحد المجاهدين. وبالطبع فلا حاجة للأدلة هنا، لأن التحقيق لا يهدف إلى كشف المزيد من المعلومات، واعتقال المزيد من الناس، كما هو الحال في فروع المخابرات، إنما يكفي اعتراف الشخص أنه منظم، أو أنه فعل كيت وكيت، ويوقع على ذلك، وينتهي كل شيء. فهدف التحقيق إدانة الشخص، ليرسل إلى حبل المشنقة. وذكر لي الأخوة قول القاضي له: (أريد أن آخذ منك كلمتين لأعدمك بعد ذلك) .

ومن الأشخاص الذين يتعرضون للتعذيب الشديد ولفترة طويلة: العسكريون (ضباط الجيش) والمجاهدون، والذين لهم دور قيادي كالمسؤول عن عدة أسر، أو المراسل الذي يعرف عددًا كبيرًا من الناس. وبالعكس، فقد يكون الشخص ليس له أي دور، ولا يعرف شيئًا، ويصر على النفي بإجاباته، فيظن المحققون أنه يكذب، فيستمرون في تعذيبه، فيقع التضليل بالتحقيق (أي يعترف الضحية اعترافات كاذبة) .

وتحتفظ أجهزة المخابرات بالأشخاص الذين وقعوا ضحية لاعترافات كاذبة في أغلب الأحيان، خاصة إذا كانوا عسكريين، وأذكر أحد الطيارين من بلدة القريتين في محافظة حمص، قد أورد اسمه عسكري آخر بنفس الطريقة، وعندما وصل إلى المحكمة الميدانية، أصر على النفي، فما كان من القاضي إلا أن أمر زبانيته بضربه حتى الموت، فضربوه بالعصا الغليظة حتى قضوا عليه تمامًا، وذلك في أوائل عام 1981.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت