فهرس الكتاب
وصفها، فقد استولى الخوف والرعب على الجميع، بسبب إعادة التحقيق مع بعضهم، وهم يعذبون أمام إخوانهم.
الجميع ينتظرون دورهم، ظانين أن مصيرهم كمصير أخيهم الذي يعذب أمامهم. فالكل يلهج إلى الله بالدعاء، أن يخفف عن أخيهم المعذب، وأن يلطف بهم، أما بقية المعتقلين في الزنزانات، فأيام المحكمة قاسية عليهم، خاصة نزلاء الباحتين: الأولى والثانية، لسماعهم أصوات المعذبين، إضافة إلى شراسة التعذيب في تلك الأيام، وتوزيع الطعام يتأخر كثيرًا عن وقته المحدد، وكذلك الأمر بالنسبة للتفقد، فيصطف السجناء ساعات طويلة بانتظاره دون أن يحضر المجرمون، ويبقى المعتقلون واقفين ينتظرون فصلًا جديدًا من فصول التعذيب، فالجلادون مشغولون بواجبهم الوطني!! أما الحالة النفسية فسيئة جدًا، فقد سيطر الخوف والرعب على الجميع، خاصة الذين لما تنته محاكمتهم بعد، فكل منهم ينتظر دوره، وهذا أشد على النفس من التعذيب.
انتقال المحكمة الميدانية لسجن تدمر: وفي الشهور الأخيرة من عام 1980 بلغت الاعتقالات ذروتها، فزاد عدد سجناء تدمر كثيرًا (حوالي ثلاثة آلاف معتقل) لذلك أصبح من المستحيل نقلهم إلى حمص من أجل المحاكمة بنفس الطريقة، فتقرر أن تحضر المحكمة الميدانية مرة أو مرتين أسبوعيًا لمحاكمة المعتقلين، ويصل العدد في كل مرة حوالي 60 معتقلًا أو أكثر لذا، فالذي يدخل السجن، عليه الانتظار مدة تتراوح بين ستة أشهر حتى السنة ليأتي دوره في المحاكمة. وأراح انتقال المحكمة الميدانية إلى تدمر السجناء من عذاب سفر، إنما أضيفت مآس جديدة لإعادة التحقيق مع بعض المعتقلين.
إعادة التحقيق مع بعض المعتقلين: سمي سجن تدمر بمركز التطهير الوطني لتصفية الإخوان المسلمين، لذلك كانت الغاية الأولى والأخيرة منه تصفية الإسلاميين جسديًا ومعنويًا، ولكي تتم هذه العملية كان لابد من بعض الإجراءات الصورية، لتعطي التمثيلية بعدًا قانونيًا، لذلك سن القانون 49 وأنشئت المحاكم الميدانية لهذه الغاية ... وتحرص فروع المخابرات على تلفيق التهم للمعتقلين قبل إرسالهم إلى السجن، واشتهرت بعض الفروع بذلك، كالمخابرات العسكرية في إدلب وحمص وجميع فروع اللاذقية، وهناك فروع أخرى لم تتحرى الدقة نسبيًا في تحقيقاتها كفروع دمشق وحلب، ولم يدفعهم حرصهم على تحري الحقيقة وإقامة العدالة ورفع المظالم لتوخي الدقة في عملهم، إنما كان حرصهم على تجنب التضليل، والانشغال بقضايا لا طائل منها. وبالتالي تبقى الانتفاضة مستمرة لعدم كشف العناصر الفاعلة فيها أي أنهم يراعون مصلحتهم أولًا وأخيرًا.