فهرس الكتاب
يقضونها بعيدا، لتحل مكانهم دورية جديدة، ممن كانوا داخل السجن، لا يعلمون ما حصل معنا أثناء الرحلة، فلهذا لم نتعرض لحفلة استقبال كالتي تعرض لها إخواننا في اليوم السابق. وكان حظنا من الضرب والإهانة أقل، وعدنا لمهجعنا، ليلاقينا إخوتنا بالعناق والفرح على نجاتنا من التعذيب.
وعندما دخلت المهجع نظرت لقدمي فوجدت أنني ألبس إحدى نعلي مع شحاطة بلاستيكية التقطتها من الباحة، ظنًا مني أنها لي، دون الانتباه للشكل واللون، ودون أن أشعر أنها ليست نعلًا، للإرهاق الشديد، ولفقدان الإحساس بأقدامي.
المحاكمة في سجن تدمر: يتم تجميع المعتقلين المراد محاكمتهم من الزنازين في باحة القلم، أو في الباحة الأولى .. يجلس الجميع على الأرض مغمضي العيون، مطأطئي الرؤوس، يتعرضون للمطر والبرد في فصل الشتاء، ولحرارة الشمس المحرقة في فصل الصيف، مع الضرب والإهانة من الجنود. ويتم إدخالهم إلى غرفة المحكمة واحدًا تلو الآخر حسب الأسماء. ولجنة المحكمة مؤلفة من عدة أشخاص، يقال: إن غازي كنعان كان رئيسًا لها. وشوهد بعض ضباط الوحدات الخاصة أو سرايا الدفاع يشاركون في بعض المحاكمات (38) تتم بنفس الإجراءات التي في حمص، إذ يدخل المعتقل إلى غرفة المحكمة، فتوجه إليه بعض الأسئلة، فيملي القاضي على كاتبه خلاصة لإفادة المعتقل، كقوله (كرر إفادته بأنه كذا) ... (أو أقر إفادته بأنه ... ) أو لا علاقة له بالتنظيم ... أو غير منظم أو لاشيء يستحق الذكر حسب محضر التحقيق من فرع المخابرات، فتختصر الإفادة ببضع كلمات، أو عدة أسطر، وإذا حاول المعتقل إنكار شيء يعاد للدولاب (أي للتعذيب) وهذا الأمر لم يكن موجودًا في حمص، لأن القاضي يملي على كاتبه دون أي التفات لما يقوله المعتقل، سواء بالنفي أو الإيجاب، أما الآن في تدمر، فالأمر مختلف تمامًا، فالمعتقل قد يواجه تحقيقًا جديدًا، وخاصة إذا لم يثبت محضر التحقيق أية تهمة عليه، فالقاضي لا يأخذ بمضمون الإفادة، إنما عليه أن يحقق بنفسه، لينتزع اعترافات جديدة من المعتقل لتدوينها في الإفادة النهائية، لتصبح حيثيات للحكم الذي سيصدره. ويتناصح المعتقلون بأنه لا جدوى من الإنكار أو المناقشة، وما على المعتقل إلا أن يوافق ويبصم على كل ما يريده المجرمون، وإلا فالتعذيب، ثم الموافقة بعد ذلك.
ويقضي المعتقلون نهارهم بالصورة التي وصفت، أي جالسين على الأرض، رؤوسهم مطأطأة، وأعينهم مغمضة، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، مهما كان الطقس، فلا يسمح لهم بالخروج إلى دورات المياه، أو شرب الماء، وتناول الطعام، وربما مكثوا على هذه الحال طوال النهار، حتى تنتهي اللجنة من محاكمة الجميع، ليعادوا إلى زنزاناتهم. أما الحالة النفسية للمعتقلين فلا يمكن