فهرس الكتاب
(كما هو الحال في سجن تدمر) ومع ذلك، فالكاتب كان يذكر للجلادين ذلك، ليخصوا المعتقل بالضرب والإهانة (36) .
وكان بيننا وقتها أحد الأطباء، وقد برأته محكمتهم، فوعده القاضي بإخلاء سبيله بأسرع وقت، كما وعده بنقله إلى سجن آخر، وأوصى السجانين بأن لا يتعرضوا له بالضرب والإهانة، ومع كل هذا، نال حظه من العذاب، وإن كان دون حظ إخوانه.
من توفيق الله لنا في ذلك اليوم، أن المجرمين انشغلوا به، فراحوا يسألونه أسئلة مختلفة، بهدف التهكم والسخرية، إرضاء لانحرافهم وهمجيتهم، فهم جميعا دون مستوى الدراسة الإعدادية، فيتناول أسئلتهم بجدية، ويجيبهم. واستمروا معه على ذلك حتى انقضى ذلك النهار الأسود، وأخذنا حظنا من التعذيب والضرب دون ما نال إخواننا في اليوم السابق. ثم سمحوا لنا بالخروج لدورات المياه لقضاء الحاجة وشرب الماء، ولكن بقينا بدون طعام طوال ذلك اليوم، حتى انتهت المحكمة وعدنا إلى سجن تدمر.
العودة لسجن تدمر: تبادلنا أطراف الحديث خلال رحلة العودة، والحبال تكاد تقطع أيدينا، حتى شعرنا بالألم الشديد، كما تورمت أيدينا نتيجة الضغط، وفكرنا بطريقة تخفف بها الألم، فقررنا فك الحبال، وهذا ممكن، فالأيدي موثقة للخلف، والأصابع حرة، فراح بعضنا يفك الحبال لمن جلس إلى جانبه، ممن يشتكي من الألم، ولم نكن نعرف أن الجنود الذين يجلسون في غرفة القيادة يراقبوننا، وفجأة توقفت السيارة، وصاح بنا الزبانية وهم يصعدون إليها قائلين: تفكون الحبال يا حقراء يا ... تريدون أن تهربوا يا .. (والله نقوسكن هون) وضربونا بأعقاب البنادق كما ضربني أحدهم على رأسي بمخزن البندقية، وقال لرئيس الدورية: هذا ألـ (ع رص) هو الذي فك الحبال. وصرخوا بنا متوعدين عندما نصل إلى السجن (منورجيكن يا ... ) (37) ، وأعادوا ربط الحبال. عند ذلك رحنا نتوجه إلى الله بالدعاء أن يكف أذاهم وشرهم عنا، فاستجاب الله دعاءنا.
وصلنا إلى السجن بعد المغرب، وأنزلونا من السيارة لنسير داخلين إليه. في تلك الأثناء ضاعت إحدى فردتي نعلي دون أن أشعر، لأنني فقدت الحس تماما فيهما، فلم أعد أشعر، وكنت أجرهما وكأنهما أرجل صناعية بسبب الجلوس المديد على المقاعد الخشبية القاسية خلال رحلة العذاب تلك.
دخلنا السجن، وبدأت عملية التفتيش، ليعرى كل سجين من ثيابه، وتفتش ملابسه بدقة. وهذه فرصة يستغلها الجلادون للضرب على الأجساد العارية، ولم نشعر كثيرا بألم السياط، لانتظارنا ما هو أدهى وأمر، ولكن الله سلم إذ أمر المساعد أول أبو جهل دورية الجلادين التي رافقتنا بأخذ إجازة