فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 711

الإجابة بطريقة أظن أنها ترضيه، وإن كانت تخالف قناعتي. قلت له: إن البلاد تمر الآن بظروف استثنائية، ومن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن يظلم بعض الناس بسبب ذلك، فليس شرطًا أن يكون كل من دخل السجن مذنبًا. فلم تعجبه إجابتي، ونظر إليّ بشزر قائلًا لي: يبدو إن دماغكم لم يُغسل بعد .. إنكم ما تزالون تجرءون على الكلام. فأصابني الارتباك، قلت في نفسي: ماذا عساي أن أقول ما يرضي هؤلاء المجرمين وفيه السلامة والنجاة؟ قلت له: إن المجرمين هم الذين يتحملون المسؤولية عن كل ما حصل، فليس للدولة مصلحة في توقيف أي مواطن، وأنا على استعداد للتعاون معكم لمصلحة الوطن.

وهكذا انتهت المحاكمة وأخرجني الكاتب من الغرفة وسلمني لأحد عناصر المخابرات الذي بادر لتعصيب عيني، وإيثاق يدي، ودفعني أمامه، بعد أن أمسكني من النقرة (الناحية الخلفية من الرقبة) وأنزلني على درج حتى وصلت إلى القبو، وأجلست على البلاط في أحد الممرات الواقعة بين الزنزانات، فتلقفني أحدهم بالسؤال: ماذا حُكمت؟ قلت له: لا شيء فلم يصدقني، وراح يضربني. قلت له: اذهب واسأل القاضي.

كانت العادة أن يقدم الكاتب (توصية) بالمعتقل الذي حكم بقضية ما، كأن يكون المعتقل من التنظيم المسلح، أو ممن له دور ما، أو ممن شارك في المظاهرات أو غيرها، حيث يقول للزبانية: (توصوا بهذا الحقير .. إنه كيت وكيت) وغالبًا ما يعطي المعتقل تهمة أكبر بكثير من تهمته الحقيقية، كأن يقول لهم: هذا رئيس التنظيم بالمدينة الفلانية، ولا يكون المتهم كذلك، فقد يكون مسؤولًا عن أسرة (حلقة حزبية) واحدة، أو ممن يعطي درسًا في أحد المساجد. وفي هذه الحالة، يستقبله الجلادون بالضرب والإهانة، لقد حاكموا شخصًا كتب قصيدة يهجو بها النظام، ويعدد خياناته وجرائمه، مادحًا المجاهدين، والذين شاركوا بالانتفاضة ضد النظام في تلك الأيام، فوقعت هذه القصيدة في أيدي المخابرات، واعتقلوه من أجلها، وتعرض لتعذيب شديد، وحاول المحققون عبثًا إلحاق تهمة تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، إذ لم يكن له أية علاقة بهم، وبعدها أرسلوه إلى سجن تدمر، وسيق منه إلى المحكمة الميدانية، وعندما قرأ القاضي اضبارته، ووقع بصره على القصيدة، شتمه بألفاظ فاجرة حقيرة، وقال له: أتصفنا بأننا خونة؟ والله لو كان مسدسي بيدي لأفرغته برأسك يا ... وحكم عليه بالإعدام، وعندما خرج من الغرفة قال الكاتب للجلادين: هذا يصفنا بالخيانة، وأننا بعنا القنيطرة. فانهال عليه الجلادون ينهشونه ضربًا بالأسلاك المعدنية (وكانت من الكبلات الكهربائية) حتى تسلخ جلده، وأصيب بجروح عميقة في جميع أنحاء جسمه. وهكذا كان يتصرف القاضي، إذا قرأ كلمة لا تعجبه غضب بشدة، وحكم على المتهم بالإعدام، والويل كل الويل لمن كان متعلمًا، حتى لو كان بريئًا، ولطالما أوصانا إخواننا بتجنب ذكر المهنة والمؤهل العلمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت