فهرس الكتاب
وفعل أكثر من ذلك، إذ أعاد اعتقال طليقي فروع المخابرات الأخرى (شعبة الأمن السياسي وشعبة المخابرات العامة) ليعيد فتح ملف التحقيق من جديد، ويرسلهم إلى سجن تدمر، ووصل الأمر به أن يعتقل أشخاصًا من محافظات أخرى، كما فعل مع المرحوم الشهيد العقيد محمد فيصل سيرجيه من حلب، الذي أخلي سبيله عام 1980 فأعاد المجرم غازي كنعان اعتقاله من مدينة حلب، وبنفس التهمة السابقة، وأرسله إلى سجن تدمر، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ فيه الحكم يوم 24/ 10/1981 مع 21 أخًا آخرين (35) .
بدأ الجنود بسحبنا خارج السيارة، ودفعنا داخل الفرع، ليستقبلنا زبانيته بالكبلات الكهربائية، وقاموا بتجميعنا في بهو يقع بين الممرات .. جلسنا على الأرض في مكان ضيق فترة من الزمن تقارب الساعة، عندما بدءوا بإخراجنا إلى غرفة المحكمة، وكنت أول من دخل إليها، قرءوا اسمي فوقفت، فتقدم حارس ليخرجني من بين السجناء، وفك الغمامة عن عيني، والحبال من يدي، وسلمني لشخص آخر، طلب مني أن أتبعه. وفي الطريق سألني عن اسم مدينتي قائلًا: (من وين أنت ولك) فسميت له مدينتي، فقال لي: (واضراطه) فسكتّ حتى دخلت غرفة المحكمة بصحبة ذلك الشخص، وأجلسني على كرسي مقابل للمقعد الذي يجلس عليه من سمي قاضيًا، بينما جلس هو على كرسي يقع إلى جانب طاولة القاضي، وهي طاولة مكتب، تقع بأحد جوانب الغرفة، وفي الزاوية المجاورة لها، وجدت كومة كبيرة من الكتب، وضعت بصورة اعتباطية. تأملتها فلمحت كتاب الإسلام للشيخ سعيد حوى، وكان القاضي يمسك بيده ديوان الإمام الشافعي عندما دخلت الغرفة، فعرفت أن الكتب هي من المواد التي تمت مصادرتها من بيوت المعتقلين والملاحقين، أثناء عمليات التفتيش والمداهمة والتمشيط البربري .. وضع القاضي الكتاب جانبًا، وأمسك بإضبارتي، وراح يقلبها، وسألني: من هو فلان؟ (يعني اسم الشخص الذي اعتقلت لمعرفتي إياه) فقلت له: جاري في الحي.
قال لي: (أكيد أنت ليس لك علاقة بالإخوان المسلمين؟) .
فأجبته: نعم. وإذا ثبت أن لي علاقة بهم، فأنا على استعداد لتحمّل أقسى العقوبات. وضع الإضبارة جانبًا، والتفت لكاتبه قائلًا له: اكتب: لا علاقة له بتنظيم الإخوان المسلمين، ولم يشارك بأعمال الشغب (المظاهرات والاضطرابات التي حصلت ضد السلطة في بعض المحافظات) وأن علاقته بفلان علاقة شخصية فقط. ووضع الكاتب بصمة إبهامي الأيسر على محضر الاستجواب، لكنه عاد فسألني ثانية: إذا كان الأمر كذلك، فما الذي جاء بك إلى هنا؟
بالطبع الإجابة على هذا السؤال واضحة، وهو يعرفها أكثر مني، ولكنه يريد استدراجي. الإجابة أن المخابرات هي التي جاءت بي لذلك المكان، ولكن هل يمكنني قول ذلك؟ بالطبع: لا. إنما عليّ