فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 711

بالحفر، بسبب الإهمال، فكانت السيارة تهتز كثيرًا، لدرجة أنه ربما ارتفع أحدنا من مكانه من شدة الاهتزاز، نازلًا بقوة على الكرسي بكل ألم وعذاب، ويضاف إلى ذلك، صوت المحرك، وقرقعة صفائح الحديد التي تغطي صندوق السيارة، وصوت رياح الطريق، فكل شيء كان يتعبنا ويقلقنا، علاوة على ذلك القلق النفسي الذي نعاني منه، فنحن لا نعرف ماذا ينتظرنا هناك، في فرع المخابرات؟ وماذا ينتظرنا بعد عودتنا للسجن؟.

مرّت أربع ساعات ونحن على ذلك، شعرنا في البداية بالبرد لبرودة الجو النسبية ليلًا في الصحراء، وقلة الملابس، وتيار الهواء الناشئ عن حركة السيارة، وسيطر علينا الخوف والرعب، فراح كلّ منّا يقرأ ما تيسر له من القرآن، ويدعو سرًا، خشية أن يكون بيننا بعض الجنود، وجهر أحد الإخوة بقراءة القرآن والدعاء، فاطمأن الجميع لغياب المجرمين من بيننا، فراح كل منّا يحدّث من بجانبه عن اسمه وعمله وتاريخ اعتقاله، ويشكو له همومه، فقال لي أحد الإخوة ممن جلسوا إلى جانبي: لقد تلفنا من شدة التعذيب، كنّا بالسجن الفلاني الرهيب، فإذا هو كبيت المرء أو أعز مقارنة بهذا السجن، فاستغل أحد الإخوة ممن كانوا معي بالزنزانة الفرصة، فراح يستشيرني بالهرب. قلت له: ومن أين؟ أجابني من الفتحة العلوية الموجودة في السقف، حيث أشاهد الضوء، وأعتقد أنها فتحة كبيرة يمكن الهرب منها. فقلت له: لا فائدة من ذلك، فدورية الجنود ترافق السيارة من الأمام والخلف، والسيارة تسير بسرعة وسط الصحراء، فلا يمكنك الاختفاء بأي مكان لو نجحت بتجاوز جميع العقبات. وأخيرًا قلت له: إن العملية مغامرة انتحارية لا فائدة منها. فصرف النظر عن تلك الفكرة، وراح يتحدث في أمور أخرى.

وأخيرًا وصلنا إلى فرع المخابرات العسكرية في حمص، ذلك الفرع الذي صار اسمه يرعب سكان المدينة، لما عرف عن رئيسه (غازي كنعان وكان برتبة مقدم في ذلك الوقت) من ظلم وتجبر في تلك الفترة. لقد لوّع سكان المدينة بكثرة الاعتقالات والمداهمات وأعمال التفتيش، وفي كل مرة تجري فيها عمليات المداهمة والتفتيش، كان كلابه مع جرذان الوحدات الخاصة، يمعنون في إيذاء الناس وإهانتهم، إضافة لأعمال السلب والنهب، ولم يترك بيتًا واحدًا إلا واعتقل منه شخصًا أو أكثر. لقد أقسم مرة بأنه سيقطف ألفي زهرة من حمص، ليزرعها بصحراء تدمر (ويريد بذلك إعدام ألفي شاب من حمص ويدفنهم في صحراء تدمر) كان يعتقل الناس من الشوارع دون سبب أو جريرة أو تهمة ويقودهم إلى باستيل القرامطة، وحتى إنه تفقّد القبو يومًا فوجد أن زبانيته لم يعتقلوا أشخاصًا جددًا، فراح يشتمهم ويقول لهم: ألم تستطيعوا أن تعتقلوا عدة أشخاص من الشارع وتحققوا معهم (لعله يطلع منهم شيء) ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت