فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 711

السفر لحمص: أصبحت كلمة (حمص) تحمل معها تأثيرًا نفسيًا خاصًا يشبه التأثير الذي تحدثه كلمة (تدمر) لما عانيناه في المدينتين من تعذيب، ولم ننتظر طويلًا، إذ بعد فترة قصيرة من وصول أخوتنا، حضر الجلادون، وفتحوا كوّة باب الزنزانة (الشراقة) وقرءوا أسماء مجموعة جديدة من الإخوة كان بينهم اسمي. وقالوا لنا: جهزوا أنفسكم، غدًا عندكم محاكمة. سيّطر عليّ الرعب وأخذت أقرأ القرآن وألهج إلى الله بالدعاء، لقد انقطعت بنا أسباب الأرض، فلا حول لنا ولا طول، وليس أمامنا إلا التوجه إلى الله بالدعاء والإنابة، نستمد منه العون والتأييد، سائلين إياه أن يلهمنا الصبر.

استلقينا للنوم، وأنى لنا ذاك، وعند منتصف الليل، عاد الزبانية ثانية وقرءوا أسماءنا، وأخرجونا من الزنزانة، بعد أن هيأ كل منا قميصه الداخلي لاستعماله كعصابة للعينين.

أمسك كل منّا بثياب الذي أمامه، وقد حنى رأسه للأسفل، والسياط تلسعنا من كل جانب، مع الكلمات الفاجرة، وسرنا نحو ساحة القلم، وأجلسنا على الأرض تحت إحدى الأشجار، وكانت شجرة (كينا) وعرفتها من رائحتها.

تجمّع الإخوة من بقية الزنزانات، وعددنا بضعة وعشرون شخصًا، أجلسونا على الأرض، بعد أن قيدوا أيدينا للخلف بالحبال التي شدّت بقسوة، مسببة لنا آلامًا مبرحة، وبعضنا أثر الحبل على رسغيه، تاركًا تقرحًا دام لعدة أسابيع، نتيجة إصابته بالالتهاب.

بقينا على هذه الحالة عدة ساعات (حتى بزوغ الفجر) تيبست مفاصلنا، وأصيبت أطرافنا السفلية بالخدر والنمل، وفقدنا الحس بأقدامنا، وأما أيدينا، فليست بأفضل حالًا منها، ولكن .. هل في استطاعة أيّ منّا أن ينبس ببنت شفة؟ فالجلادون من حولنا يضربوننا بين وقت وآخر بالسياط.

ساقونا بعدها إلى داخل سيارة زيل عسكرية مخصصة لنقل السجناء، وهي عبارة عن ناقلة عسكرية روسية الصنع، استبدلت خيمتها بصندوق حديدي له أبواب محكمة، وتحتوي على كوى مشبكة بالحديد .. وتشبه زنزانة السجن بهذا، والباب موجود بالخلف، وهو مخصص لدخول وخروج المعتقلين، وفي غرفة القيادة نافذة زجاجية تطل على صندوق السيارة الخلفي، ويستطيع الجالس في غرفة القيادة رؤية جميع السجناء خلفه، مقاعدها من الخشب (عدة قطع من الخشب تفصل بينها فراغات) وتحتوي السيارة على ثلاثة صفوف من المقاعد، صفين على الجانبين، وصف في الوسط، ولذلك، فالجلوس على تلك المقاعد متعب جدًا، لأنها قاسية، ويضاف إلى ذلك مشكلة الازدحام، والأعين المعصوبة، والأيدي الموثقة للخلف.

وأما سرعتها، فشأنها في ذلك شأن أكثر السيارات الروسية المتهالكة، إذ لا تتجاوز الـ 60كم في الساعة، يضاف إلى ذلك أن المسافة بين مدينتي حمص وتدمر تبلغ حوالي 160 كم، والطريق مليئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت