فهرس الكتاب
نقص عددنا في ذلك اليوم، وافتقدنا إخوتنا، وظننا أن لن نلتقي بهم ثانية، وافترقنا إلى غير لقاء متوقع!! وسيطر علينا شعور غريب، هو شعور الخوف من المجهول، ورحنا نتساءل: ماذا سيحصل لإخواننا؟ وبيننا أحد الأخوة ممن اعتقلوا سابقًا، والتقى بأخوة أخذوا إلى محكمة أمن الدولة بدمشق، فشرح لنا إجراءات المحاكمة للسياسيين، إذ يعاد استجواب المتهم من قبل القاضي بطريقة تختلف عن التحقيق في فرع المخابرات، فلا ضرب ولا إهانة، وإنما الحجة والمنطق والدليل، وتعاد كتابة الإفادة حسب معطيات الاستجواب والأدلة الموجودة، وحسب قناعة القاضي. وتسمى هذه المرحلة: بتبييض الإفادة، أو تثبيت الأقوال. وكانت تستغرق عدة جلسات، ويستطيع المتهم أن يقول ما يشاء. وقال أيضًا: إن الأخ الشيخ محمد خير زيتوني قد انتقد النظام أمام لجنة المحكمة بكلمات لاذعة، فتحولت الجلسة من محاكمة له كمتهم، إلى محاكمة وإدانة النظام.
مر علينا ذلك النهار كبقية أيام السجن العادية، وعند المساء، بدأت عمليات التعذيب في الباحة الأولى، فظننا وصول دفعة جديدة من المعتقلين، وبعد انتهاء حفلة الاستقبال، أخذت الأصوات تقترب مع أصوات الزبانية، وفتح باب باحتنا، فدخل الزبانية مع أخوتنا، وفجأة فتح باب زنزانتنا، واندفع إخوتنا للداخل بحالة يرثى لها من الإعياء والتعب والجوع والعطش، كما بدت عليهم آثار التعذيب من جروح وقروح وكدمات، الجميع يصرخ ويستغيث مرتميًا على الأرض، لا يقوى على شيء. أسرعنا لأخوتنا نساعدهم ونخفف عنهم، أما أنا فقد صدمت لهول المفاجأة، ووقفت مشدوهًا عاجزًا أن أحرك ساكنًا، فصاح بي أحد الأخوة (رحمه الله) : مالك؟ قم وساعد إخوانك. قلت في نفسي: ما هذا؟ .. وعندها أدركت أننا نواجه فتنة كبرى، وليس أمامنا إلا التسلح بالصبر، حتى يأذن الله بالفرج.
بادرت أحد أخوتي بالسؤال: ماذا حصل معكم؟ تردد بالإجابة ثم قال: (اتركها على الله) ، وتحت الإلحاح أجابني قائلًا: أخذونا إلى فرع المخابرات في حمص، وأعادوا معنا التحقيق!! قلت يا الله ألم ننته من التحقيق والتعذيب؟ ألا يكفينا ما نحن فيه من البلاء؟! وهكذا رحت أدعو: اللهم الطف بنا فيما جرت فيه المقادير. وكان هذا دعائي المفضل طول فترة اعتقالي، لأنني اعتقدت منذ البداية أن المحنة مهما كانت شديدة ومؤلمة، فإن هناك ما هو أسوأ، فالأمور نسبية.
وراح الأخ يسرد لي ما حصل معهم منذ خروجهم من المهجع الليلة الماضية، وحتى عودتهم إليه، وكيف تعرضوا للتعذيب أثناء خروجهم، وكيف استقبلهم زبانية فرع المخابرات، وزبانية السجن، عندما عادوا بحفلة استقبال جديدة، ويا لهول ما سمعت، فرحت أوطن نفسي استعدادًا لفصل جديد من فصول المحنة، لأنني سأتعرض للشيء ذاته، وهذا ما حصل معي، وإن كان بصورة أقل مما تعرضوا له، فكيف كان ذلك؟